نستيقظ كل صباح، وقبل أن تلامس أقدامنا الأرض، نمد أيدينا بنوع من الغريزة الآلية نحو تلك الشاشة الصغيرة، وكأنها حبل الغسيل الذي نُعلق عليه وجودنا اليومي. نحن لا نفتح تطبيقاتنا لنرى الأخبار، بل لنتأكد أننا ما زلنا “هناك”، في ذلك الفضاء الافتراضي الذي ابتلع واقعنا بالكامل. أصبحنا نسكن داخل زنزانة زجاجية من البكسلات، حيث القضبان هي “الإشعارات” والحارس هو “الخوارزمية” التي تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
في هذا الزقاق الرقمي المظلم، لم نعد نحن “المستخدمين”، بل أصبحنا “المادة الخام” التي تُباع وتُشترى في مزاد علني يُسمى اقتصاد الانتباه. كل تمريرة إصبع (Scroll) هي قطرة من عمرنا تذهب هباءً لتملأ خزائن شركات لا تراك إلا كحساب أو رقم، بينما تسرق منك القدرة على التفكير، والتأمل، وحتى الصمت. لقد نسينا كيف يبدو شكل العالم دون فلتر، وكيف يكون طعم اللحظة دون أن نشوهها بعدسة الكاميرا لنثبت للغرباء أننا “سعداء”.
نحن نعيش كارثة صامتة؛ حيث أصبح التشتت هو الحالة الطبيعية، والتركيز هو المهارة النادرة. نملك آلاف الأصدقاء الافتراضيين لكننا نموت وحشةً في غرفنا المغلقة، نبحث عن “لايك” ليرمم انكساراتنا النفسية، ونهرب من واقعنا المؤلم إلى واقع افتراضي أكثر إيلاماً وتزييفاً. الخوارزمية الآن هي التي تقرر ماذا نحب، ومن نكره، وماذا نشتري، وحتى كيف نشعر، لقد سُلبنا إرادتنا الحرة ببطء شديد وبموافقتنا الكاملة، وتحولنا إلى مجرد كائنات مبرمجة تتغذى على الفتات الرقمي.
والحقيقة المرة التي لا نريد مواجهتها هي أننا لو نزعنا هذا الهاتف من أيدينا الآن، سنكتشف أننا أصبحنا “أشباحاً” في عالم حقيقي لا نعرف كيف نتعامل معه، صرنا غرباء عن أنفسنا، تائهين في صمتنا، مفرغين من أي محتوى داخلي لم تصنعه الشاشة. التكنولوجيا لم تأتِ لتخدمنا، بل جاءت لترهن أرواحنا، والآن.. وأنت تصل إلى نهاية هذه الكلمات، هل تشعر بالحرية، أم أنك تتحضر فوراً للهروب نحو “تطبيق” آخر لتنسى هذا الوجع؟ ✍️
✍️ بقلم مدير التحرير رضى ألمانيا
#الزنزانة_الزجاجية
#دوكيسا_بريس

