في عمق التوجيه الإلهي، حسم القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً جوهر المعركة الإيمانية لشعيرة عيد الأضحى؛ صرخ النص القرآني في وجه المادية والمظهرية بعبارة حاسمة: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}. كان الإعلان واضحاً: الله غني عن اللحم والدم، والمطلوب هو “التقوى”؛ تلك القيمة الروحية التي تتجلى في طهارة القلب، والرحمة بالعباد، والتكافل الاجتماعي.
لكن، إذا هبطنا من سمو الآية القرآنية إلى وحل “أسواق الأغنام” اليوم، سنصطدم بمفارقة غريبة تندى لها الجبين، وتكشف كيف تحولت شعيرة دينية مقدسة إلى “مجزرة مالية” ضحيتها المواطن البسيط، وبطلها كائن انتهازي يُدعى “الشناق” أو “الفرقاِشي”.
عندما تلغي “السمسرة” حكمة الدولة
لقد عشنا جميعاً على وقع قرار استراتيجي شجاع اتخذه جلالة الملك السنة الفارطة بإلغاء ذبح الأضحية. لم يكن القرار ترفاً، بل كان جرعة أكسجين مُنحت لـ”الكساب” (مربي الماشية) الحقيقي ليعيد بناء القطيع الوطني الذي أنهكه الجفاف، وليتحقق توازن العرض مع الطلب، فتحمى القدرة الشرائية للمواطن. كانت الدولة تفكر بمنطق “التقوى والمصلحة العامة”، لكن ما الذي حدث هذا العام؟
بمجرد أن فُتحت الأسواق، تحركت كائنات الظلام الاقتصادية. نزل “الوسطاء” الذين لم يعرقوا في تربية ماشية ولم يعرفوا حر الصيف ولا برد الشتاء، لينقضوا على “الكساب” المغلوب على أمره، ويشتروا منه الأغنام بثمن بخس، ثم يديروا ظهرهم للمواطن ليرفعوا الأسعار إلى ضعف ثمنها الأصلي!
هنا تسقط الأقنعة، ونكتشف أننا لسنا أمام سوق تجاري عادي يخضع لقانون العرض والطلب، بل أمام “مافيا مواسم” تمارس الاحتكار وتستغل اللهفة الدينية للمسلمين لتحقيق اغتناء سريع على حساب جيوب الفقراء.
العودة إلى الجاهلية الرقمية والمادية
المفارقة المقززة هنا، هي أننا نرى خروقات يندى لها الجبين تتعارض جملة وتفصيلاً مع آية {وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}. قديماً في الجاهلية، كانوا يلطخون جدران المعابد بدماء الذبائح ظناً منهم أنهم يتقربون للآلهة بالحجر والدم. واليوم، يمارس “الوسطاء” أبشع أنواع الجشع، ويمتصون دماء الأسر المعوزة، ثم تجدهم في أول الصفوف يتبجحون بإحياء “السُنّة”!
عن أي سُنّة تتحدثون والتقوى مفقودة في البيع والشراء؟ أين هي التقوى عندما يبيت رب أسرة عاجزاً عن إدخال الفرحة على أطفاله لأن “الشناق” قرر أن يربح في خروف واحد ما لا يربحه فلاح في سنة كاملة؟
إن تحويل عيد الأضحى من “شعيرة للتقوى” إلى “بورصة للمضاربة الجشعة” هو إحياء حقيقي للفكر الجاهلي في ثوب معاصر. العيد لم يعد صلة وصل مع الله، بل أصبح رحلة تعذيب مالي للمواطن، يجد نفسه فيها رهينة في أيدي شبكات من السماسرة تخنق السوق وتفسد المقاصد النبيلة للتدابير الإصلاحية التي اتخذتها الدولة.
كفى استغلالاً للدين!
إن الأزمة الحالية في أسواقنا ليست أزمة “ندرة أغنام” ولا أزمة “جفاف”، بل هي أزمة قيم وغياب تقوى. لقد حان الوقت لنقولها بصراحة وبدون مواربة: من يغش المسلمين، ويحتكر قوتهم، ويضارب في شعائرهم الدينية، ليس له من أضحيته إلا اللحم والدم، ولن ينال الله من عمله شيء.
إذا لم يرتدع هؤلاء “الفراقشية” بالوازع الديني والأخلاقي، فقد آن الأوان لتردعهم الدولة بقوة القانون والمراقبة الصارمة. فالشعائر الدينية ملك للمغاربة جميعاً وليست كعكة موسمية لـجشع “الشناقة”.
✍️بقلم مدير التحرير رضى ألمانيا
أضاحي “الشناقة” أم قرابين الجاهلية؟ .. حين تلتهم “المضاربة” تقوى العيد!!
أضف تعليقك

