لم يكن المغاربة في مثل هذه الأيام المباركة ينتظرون العيد فقط من أجل الأضحية والفرحة العائلية، بل كانوا يعيشون أجواءً روحانية وإنسانية لها طعم خاص لا يشبه أي زمن آخر. كانت البيوت تفوح منها رائحة الاستعداد للعيد، التكبيرات تملأ الأزقة، صلة الرحم حاضرة، والقلوب معلقة ببركة هذه الأيام العظيمة التي جعلها الله من أعظم أيام السنة. حتى التلفزيون المغربي، رغم بساطة الإمكانيات آنذاك، كان يحترم حرمة المناسبة ويحرص على تقديم برامج تدخل البيوت بأدب ووقار وتحافظ على صورة الأسرة المغربية الأصيلة.
أما اليوم، فقد أصبح المشاهد المغربي يصطدم بمشاهد وبرامج لا تمت لا للعيد بصلة ولا لروح المغاربة بصلة. صراخ، استعراض فارغ، كلمات بلا معنى، وضجيج يُقدَّم على أنه فن، بينما الحقيقة أنه إهانة لذوق المواطن واستخفاف بعقول الأسر التي ما زالت تؤمن بأن للإعلام رسالة قبل أن يكون تجارة أو سباقًا نحو “البوز”.
أيُعقل أن تتحول أيام تُرفع فيها التكبيرات وتُحيى فيها شعائر الله إلى فرصة لبث برامج تافهة لا تحمل لا قيمة فنية ولا أخلاقية؟ أين هي تلك الأعمال التي كانت تجمع العائلة حول الشاشة باحترام؟ أين الفن المغربي الأصيل الذي كان يحمل الكلمة النظيفة واللحن الجميل والرسالة الهادفة؟ أم أن زمن الحياء انتهى، وأصبح كل شيء مباحًا تحت شعار الترفيه؟
المؤلم ليس فقط ما يُعرض، بل صمت الجهات التي يفترض أن تحمي الذوق العام وتحافظ على هوية المجتمع المغربي. فالمغاربة لم يكونوا يومًا ضد الفن، بل كانوا دائمًا مع الفن الراقي الذي يحترم الإنسان ويُدخل الفرحة دون إسفاف أو ابتذال. أما ما نراه اليوم، فالكثيرون يعتبرونه سقوطًا أخلاقيًا وفنيًا لا يليق بتاريخ التلفزة المغربية ولا بحرمة هذه الأيام المباركة.
لقد تربّت أجيال كاملة على قيم الاحترام والوقار في مواسم الأعياد، وكانت الشاشة المغربية جزءًا من تلك الذاكرة الجميلة، لا مصدرًا للاستفزاز والغضب. واليوم، يشعر كثير من المواطنين بأن هناك من يسعى إلى قتل ما تبقى من الذوق الرفيع وتحويل الرداءة إلى أمر عادي، وكأن المغاربة فقدوا القدرة على التمييز بين الفن الحقيقي والعبث الرخيص.
ويبقى السؤال الذي يردده كثير من الأسر المغربية بحرقة: إلى أين يريد البعض أن يصل بهذا المجتمع؟ وهل أصبح احترام قدسية العيد ومشاعر الناس أمرًا ثانويًا أمام سباق التفاهة والبرامج الفارغة؟
✍️دوكيسا بريس

