التاريخ لا يُكتب بالأهواء، ولا يُمحى بالمنشورات أو الادعاءات، لأن الشواهد تبقى أقوى من كل محاولات التزييف. ومن المؤسف أن يخرج بين الفينة والأخرى من ينكر وجود أسماء صنعت المجد الكروي، لا لشيء إلا لأنه يجهل صفحات مشرقة من تاريخ الكرة العرائشية، أو لأنه لم يكلف نفسه عناء البحث.
إن الحديث عن عبد الواحد لمراني “الصحراوي” ليس حديثاً عن لاعب عادي، بل عن واحد من أبرز الأسماء التي تألقت في الملاعب الإسبانية خلال فترة الحماية، في زمن كان وصول لاعب مغربي إلى تلك الملاعب حدثاً استثنائياً بكل المقاييس.
والصورة التي بين أيدينا ليست مجرد لقطة عابرة، بل شهادة تاريخية ناطقة، توثق حضور الأسطورة العربية العربي بن مبارك في المقابلة التكريمية التي أقيمت تكريماً لأخيه أحمد كاسيطا بملعب سانتا باربرا، حيث أهدى بن مبارك قميصه لعبد الواحد الصحراوي، في لفتة لا تُمنح إلا لمن يحظى بالاحترام والتقدير داخل الأسرة الرياضية.
هذه الوقائع لا تحتاج إلى من يمنحها الشرعية، فهي جزء من ذاكرة رياضية موثقة، يعرفها من عاش تلك المرحلة ومن حفظ تاريخها.
لكن عظمة عبد الواحد لمراني لم تتوقف عند حدود المستطيل الأخضر. فبعد أن أنهى مسيرته الرياضية، انتقل إلى ميدان أكثر شرفاً وأشد خطراً، حين انخرط في صفوف المقاومة الوطنية، مترئساً مجموعة من المقاومين العرائشيين التي عُرفت باسم “اليد السوداء”. وقد دفع ثمن وطنيته غالياً، إذ صدر في حقه حكم بالإعدام مرتين. وفي المرة الأولى تمكن من الفرار من السجن، أما الثانية فقد كان ينتظر تنفيذ الحكم صباحاً، قبل أن تتغير مجريات التاريخ بعودة المغفور له جلالة الملك محمد الخامس من المنفى، ليصدر قرار العفو عن المقاومين، فينجو عبد الواحد لمراني ورفاقه من حبل المشنقة بعدما كانوا على بعد ساعات من تنفيذ الحكم.
إن رجلاً جمع بين المجد الرياضي والنضال الوطني لا يمكن أن يختزل في منشور عابر أو رأي متسرع. ومن ينكر هذه المسيرة لا يسيء لعبد الواحد لمراني، بل يكشف جهله بتاريخ مدينة أنجبت رجالاً تركوا بصماتهم في الرياضة والوطن.
ستظل العرائش تفتخر بأبنائها الذين صنعوا التاريخ بأقدامهم في الملاعب، وبشجاعتهم في ساحات المقاومة، أما محاولات التشكيك فلن تغير من الحقيقة شيئاً، لأن التاريخ يبقى محفوظاً في ذاكرة الرجال، وفي الوثائق، وفي الصور التي لا تكذب.
رحم الله المقاوم والرياضي الكبير عبد الواحد لمراني “الصحراوي”، وتحية وفاء لكل من حفظ ذاكرة العرائش الرياضية والوطنية، بعيداً عن المزايدات والادعاءات الفارغة
✍️دوكيسا بريس

