في ذاكرة كل واحد منا، يسكن ذلك الرجل الوقور الذي لم يكن يحتاج لشهادة جامعية أو بدلة رسمية ليكون “كبيراً”. كان “حكيم الحي” هو الطبيب النفسي الفطري، والقاضي الأخلاقي الذي لا يحمل مطرقة. كان مجرد مروره في الزقاق كفيلاً بتهدئة النفوس المشحونة؛ بكلمة “استهدوا بالله” كانت تتبخر أعتى الخلافات، وبجلسة على عتبة بيته، كانت أعقد الأزمات الأسرية تجد طريقها للحل.
الهروب إلى “البركة”: كيف كان يمتص سمومنا؟
اليوم، ونحن نرى جيراننا يتصارعون في الشوارع لأسباب تافهة، ويسود العنف في بيوتنا، ندرك حجم الفراغ الذي تركه هذا الرجل. لم يكن الناس يلجؤون إليه طلباً للمادة، بل طلباً لـ “السكينة”. كان يمتلك موهبة الإنصات في زمن لم يكن فيه أحد منشغلاً بشاشته. كان يمتص الشحنات النفسية السلبية لأهل الحي، ويحولها بذكائه الفطري إلى “صلح” و”أمان”. غيابه جعلنا جميعاً عراة أمام ضغوطنا؛ فلا “حكيم” نلوذ به، ولا “كبيراً” نستحي من صراخنا أمامه. النتيجة هي مجتمع يتيم نفسياً .
رحيل هذه الشخصية الشعبية لم يكن مجرد رحيل فرد، بل كان انهياراً لـ “صمام أمان” اجتماعي. في غيابه، انفجرت “الأنا” وتوحش السلوك؛ فصار الشارع مسرحاً لاستعراض العضلات بدل تبادل السلام. لقد فقدنا المرجعية التي كانت تمنحنا التوازن، واستبدلنا “السكينة” بضجيج المادة وفرفشة الشاشات الباردة، فتركنا أنفسنا لقمة سائغة للقلق والعصبية التي تترجمها شوارعنا اليوم إلى صراعات لا تنتهي.
دعوة للذكرى.. ومكاشفة للواقع ،
إننا، ومن خلال هذا المقال، ندعو كل قارئ أن يستحضر صورة “حكيم حيه”. ذلك الشخص الذي كان يزرع الاطمئنان في القلوب بمجرد ظهوره.
إن كان قد رحل إلى دار البقاء: فلندعُ له بالرحمة والمغفرة، بقدر ما أصلح بين الناس وأطفأ من حرائق النفوس.
وإن كان ما زال بيننا: فليكن لنا معه وقفة تقدير، فهو الكنز المنسي في زحام أيامنا المادية.
سؤال يحتاج لشجاعة: هل يمكن للجيل الحالي أن ينجب “حكيماً”؟
يبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً: هل نرحب اليوم بتواجد مثل هذه الشخصية بيننا؟ وهل شبابنا اليوم، المشتت بين ضغوط المادة ومغريات “الفردية”، مستعد ليكون في مستوى تلك المسؤولية؟ هل يمكن لـ “ابن الحي” في زمننا هذا أن يتخلى عن كبريائه الرقمي ليصبح “حمّال أسية” ومصلحاً، يوزع الطمأنينة بدل أن يساهم في ضجيج الشارع؟
شاركونا بذكر “حكيم حيّكم” وقصته.. وهل تعتقدون أن مجتمعنا قادر على إحياء هذه الشخصية من جديد، أم أن “قسوة الزمان” قد طوت تلك الصفحة للأبد؟
✍️بقلم مدير تحرير دوكيسا بريس رضى ألمانيا

