تخيّل معي، عزيزي القارئ—وأنت تحسب ما تبقى من ميزانيتك المتهالكة لتغطية مصاريف معيشية باتت تُسعّر بالغرام كالمجوهرات—أن هناك كائناً سياسياً في هذا الكوكب قرر، بمحض إرادته وبكامل قواه العقلية، أن يقطع رزق نفسه تضامناً مع شعبه. لا داعي لفرك عينيك كثيراً، فالخبر ليس من روايات الخيال العلمي، بل هو واقع ملموس قادم من المجر؛ حيث أعلن رئيس الوزراء الجديد، “بيتر ماغيار”، بمجرد جلوسه على كرسي الرئاسة الوثير، عن خطة تقشفية لم يبدأها بجيوب المواطنين كالعادة، بل بدأها بنفسه عبر خفض راتبه الشخصي بأكثر من خمسين بالمئة، مجرجراً معه الوزراء، النواب، ورؤساء البلديات، ليوفر ميزانية ضخمة تناهز 139 مليون يورو لفائدة خزينة الدولة. هذا الموقف الصادم يضعنا أمام مفارقة مضحكة ومبكية في آن واحد؛ فبينما يختار المسؤول هناك سلوك الإصلاح الحقيقي النابع من الإحساس بنبض الشارع، تبدو حكومتنا الموقرة في المغرب وكأنها تعيش في مجرة أخرى، تغرد خارج السرب تماماً في عزف منفرد يثير العجب، وتطالب الشعب صباح مساء بـ “تزيار السمطة” وتشديد الحزام، بينما أحزمتها هي تتمدد بفعل الامتيازات، وبطون مشاريعها الشخصية تكبر وتترعرع دون خجل. والمثير للاستياء في هذه المعادلة الهجينة، هو أن هذا الجشع الأناني يأتي في وقت تضع فيه الرؤية الملكية السامية خارطة طريق واضحة ومستمرة للسير بالمغرب قدماً نحو التنمية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، لكن يبدو أن معظم مسؤولينا يعانون من صمم سياسي مزمن، فلا يسمعون سوى رنين الصفقات وتسمين الأرصدة، معتنين بمصالحهم الشركاتية الضيقة وضاربين بالتوجهات الاستراتيجية للبلاد عرض الحائط. إن هذه المقارنة تكشف عورات تدبيرنا المحلي؛ فلو اقترحت على أحد مسؤولينا مجرد مناقشة تقليص الامتيازات الخيالية، أو مراجعة تعويضات التنقل والسكن، أو حتى ترشيد أسطول سيارات الدولة الفاخرة التي تلتهم المحروقات على حساب دافعي الضرائب، لاعتبر ذلك هجوماً على مكتسباته الشخصية ولصارع من أجلها وكأنك تقطع عنه الأكسجين، ليثبت لنا المشهد الهنغاري أن الإصلاح لا يحتاج إلى خطابات إنشائية ركيكة أو وعود انتخابية متبخرة، بل يحتاج فقط إلى ضمير حي يرى في المسؤولية تكليفاً وتضحية لا “همزة” العمر التي يجب استغلالها قبل نهاية الولاية، لتظل حكومتنا مستمرة في تغريدها الأناني، متناسية أن صبر هذا المواطن المقهور ليس شيكاً على بياض، وأن التنمية الحقيقية لا تبنى بمسؤولين يخدمون جيوبهم ويديرون ظهرهم للوطن.
✍️دوكيسا بريس
حينما “يَنتحر” ضمير المسؤولين.. المَجر تُقشّف جيوبها وحكومتنا تُقشّف “صبرنا”!!
أضف تعليقك

