في العرائش هذه الأيام، يبدو المشهد وكأنه قادم من مدينتين لا من مدينة واحدة.
مدينة تُضاء فيها المنصات، وتُرفع مكبرات الصوت، وتُبرمج السهرات ويُدعى الناس إلى الفرح…
ومدينة أخرى، على بعد أمتار من هذا الصخب، توجد فيها أمهات لا يعرفن أين يوجد أبناؤهن، وآباء ينتظرون خبراً عن فلذات أكبادهم، وأسر ما زالت صور أبنائها معلقة في هواتفها وذاكرتها، بعدما اختار أطفال وشباب في عمر الزهور ركوب المجهول نحو سبتة.
فأيُّ صيف هذا الذي نحتفل به؟ وأيُّ ثقافة هذه التي تستطيع أن ترفع صوت الموسيقى فوق أنين الأمهات؟
لسنا ضد الفن، ولسنا ضد الثقافة، ولسنا دعاة مدينة بلا فرح. فالعرائش تستحق الثقافة والفن والمسرح والموسيقى، ويستحق شبابها فضاءات تليق بهم.
لكن السؤال الذي لا بد أن يُطرح هو: هل اختارت الجهات المشرفة التوقيت المناسب؟ وهل ترتيب الأولويات اليوم يعكس فعلاً حجم المأساة التي مر بها شباب هذه المدينة وهذا الوطن؟
حين يصبح البحر طريقاً للهروب بدل أن يكون فضاءً للحياة، وحين يغامر قاصر بجسده وسط الأمواج لأنه يعتقد أن الضفة الأخرى أكثر رحمة بمستقبله، فالمشكلة لم تعد مشكلة مهرجان أو حفلة.
إنها مشكلة أمل مفقود.
والمؤلم أكثر أن هذه المهرجانات تُقدَّم تحت عنوان “الثقافة”.
عن أي ثقافة نتحدث؟
الثقافة ليست منصة وأضواء ومغنياً وجمهوراً فقط.
الثقافة مدرسة تحفظ كرامة الطفل.
الثقافة مكتبة مفتوحة أمامه.
الثقافة دار شباب تحتضنه.
الثقافة تكوين يمنحه مستقبلاً.
الثقافة أن تجعل ابن العرائش يحلم ببناء حياته في مدينته، لا أن يحلم بالوصول سباحة إلى سبتة.
نحن على أبواب موسم دراسي جديد، وهناك أسر تكافح لتوفير المحفظة والكتب والملابس ومصاريف الدخول المدرسي لأطفالها. وهنا يصبح السؤال عن الأولويات مشروعاً وضرورياً: كم كلف هذا المهرجان؟ وكيف وُزعت ميزانيته؟ وما نصيب أطفال وشباب العرائش من السياسات الثقافية والاجتماعية طيلة السنة، وليس خلال ليالي الصيف فقط؟
نريد الأرقام.
نريد الشفافية.
ونريد أن نعرف ماذا يعود على شباب المدينة من كل درهم يُصرف باسم الثقافة.
فالثقافة التي لا ترى الطفل اليائس وهو يتجه نحو البحر تحتاج هي نفسها إلى إعادة تعريف.
والمشهد يصبح أكثر قسوة عندما نتذكر الذين ابتلعهم البحر، والذين انتُشلت جثامينهم، والذين لا تزال عائلات تنتظر عنهم خبراً.
كيف يمكن أن نطلب من أم لا تعرف مصير ابنها أن تسمع ضجيج الاحتفال وكأن شيئاً لم يقع؟
هل أصبحت ذاكرتنا قصيرة إلى هذا الحد؟
قبل أسابيع فقط، كانت صور الشباب والقاصرين وهم يغامرون بأرواحهم تهز الضمائر. كانت الوجوه مذعورة، والأجساد تقاوم البحر، والأمهات تبحث، والناس تسأل: كيف وصل شبابنا إلى هذه الدرجة من اليأس؟
ثم ماذا؟
تُضاء المنصة… ويبدأ الحفل؟
المأساة ليست في تنظيم مهرجان وحده، بل في أن نتصرف وكأن المأساة انتهت بمجرد اختفاء صورها من الشاشات.
هؤلاء الشباب لم يذهبوا إلى البحر بحثاً عن حفلة موسيقية.
ذهبوا بحثاً عن مستقبل.
بحثوا، بطريقتهم الخطيرة واليائسة، عن عمل وكرامة وفرصة وحياة يعتقدون أنها غير متاحة لهم هنا.
ولهذا، فإن المسؤولية الحقيقية لا تبدأ عند الشاطئ ولا تنتهي عند الحدود.
المسؤولية تبدأ عندما نسأل: لماذا أصبح البحر بالنسبة إلى بعض أبنائنا أقل رعباً من المستقبل الذي ينتظرهم؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يؤرق المسؤولين أكثر من نجاح منصة أو امتلاء ساحة.
نريد مهرجانات، نعم.
لكننا نريد قبلها وبعدها مدينة تحمي أبناءها.
نريد ثقافة تصنع الأمل، وتعليماً يحفظ الكرامة، ومستشفى يستقبل المواطن كما يستحق، وفرصاً تمنع الشاب من اعتبار الهجرة السرية مشروع حياته.
ونريد من الجهات التي تسهر على هذه البرمجة أن تفهم أن نجاح المهرجان لا يُقاس بعدد الجماهير أمام المنصة فقط، بل أيضاً بعدد شباب المدينة الذين ما زالوا يؤمنون بأن لهم مستقبلاً داخل وطنهم.
فلا تجعلوا من الثقافة ستاراً نخفي خلفه الأسئلة الاجتماعية الثقيلة.
ولا تطلبوا من مدينة ما زالت بعض أمهاتها تنتظر خبراً عن أبنائها أن تنسى بهذه السرعة.
كان الأولى، إلى جانب أي برنامج فني، أن نرى مبادرات واضحة لمواساة الأسر، وبرامج لفائدة القاصرين والشباب، ودعماً للدخول المدرسي، وفضاءات للاستماع والتوجيه والتكوين، ونقاشاً حقيقياً حول أسباب هذا النزيف البشري.
عندها فقط يمكن أن نقول إن الثقافة حضرت فعلاً.
أما أن تبكي البيوت ليلاً وتصدح المنصات بالغناء في الخارج، دون أن نجد جسراً بين الاثنين، فذلك تناقض مؤلم لا يجوز أن يصبح أمراً عادياً.
إلى من يضعون البرامج ويحددون الأولويات:
أنزلوا قليلاً من المنصة…
وامشوا في أحياء العرائش.
اسألوا الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن.
اسألوا الشباب لماذا يريدون الرحيل.
اسألوا طفلاً لماذا أصبح البحر في عينيه باباً للمستقبل.
ثم عودوا وتحدثوا إلينا عن الثقافة.
فالمدينة التي تفقد شبابها لا تحتاج فقط إلى من يغني لها… بل إلى من يسمع صرختها.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
✍️دوكيسا بريس

