في مشهد لا يحتاج إلى تعليق طويل بقدر ما يحتاج إلى ضمير حي، اندلع حريق ببعض دكاكين المتلاشيات بسوق جنان فرنسيس بالعرائش، مخلفًا وراءه رمادًا لا يختزل فقط بضائع محترقة، بل يكشف واقعًا أعمق: واقع الإهمال الذي كان ينتظر شرارة… فقط شرارة.
الغريب في الأمر – أو ربما لم يعد غريبًا – أن هذا السوق الذي يشتغل فيه عشرات المواطنين في ظروف هشّة، يكاد يخلو من أبسط شروط السلامة. لا مطافئ حريق، لا مراقبة حقيقية، ولا حتى إحساس بأن المكان قد يتحول في أية لحظة إلى قنبلة صامتة. لكن لا بأس… فكل شيء “تحت السيطرة” إلى أن تشتعل النار، وحينها فقط نكتشف أن السيطرة كانت مجرد وهم جميل.
في ساعات الإغلاق، يتحول السوق إلى فضاء بلا حارس ولا حكاية. من يراقب؟ من يسهر؟ من يتحمل المسؤولية؟ أسئلة بسيطة، لكنها تبدو أكبر من أن تجد لها جوابًا في دفاتر التدبير المحلي. ربما لأن الجواب سيُحرج أكثر مما يُقنع.
الساخر في المشهد أن المتلاشيات – التي يفترض أنها “مخلفات” – تحظى بعناية أكبر من البشر الذين يعتاشون منها. أما هؤلاء التجار الصغار، فقد وجدوا أنفسهم فجأة أمام خسائر ثقيلة، دون تأمين، دون تعويض، ودون حتى كلمة رسمية تُطمئنهم أن ما وقع لن يتكرر… أو على الأقل لن يُنسى بسرعة.
وفي انتظار أن تُفتح ملفات التحقيق – إن فُتحت – يبقى السؤال الأهم: ما مصير المتضررين؟ هل سيُتركون لمواجهة آثار الحريق وحدهم، كما تُرك السوق سابقًا لمصيره؟ أم أن هناك من سيتحرك، ولو متأخرًا، لاحتواء الكارثة الإنسانية قبل أن تكون المادية؟
من هنا، يصبح دور المجتمع المدني والمحسنين ضرورة لا اختيارًا. فهؤلاء المتضررون لا يحتاجون فقط إلى كلمات التعاطف، بل إلى مبادرات حقيقية تُعيد لهم الحد الأدنى من الأمل والاستقرار.
أما الجهات المسؤولة، فربما حان الوقت لمراجعة مفهوم “التدبير” الذي يبدو أنه يشتغل بنظرية: نُصلح بعد الكارثة، بدل أن نمنعها قبل وقوعها.
وفي النهاية، قد تخمد النيران… لكن الأسئلة ستظل مشتعلة
✍️دوكيسا بريس

