لم يعد سراً أن الثقة بين المواطن والمؤسسات الحزبية قد بلغت أدنى مستوياتها التاريخية. نحن لا نتحدث هنا عن أزمة عابرة أو سوء تفاهم سياسي، بل عن “شرخ بنيوي” حوّل السياسة من رسالة نبيلة لخدمة الشأن العام إلى “مقاولة” مربحة يديرها متمولون لا تهمهم القناعات الحزبية بقدر ما تهمهم “الغنائم” القطاعية والامتيازات الشخصية.
إن المشهد الذي نعيشه اليوم، حيث يغير السياسي لونه الحزبي كما يغير ثيابه فور شعوره بتهديد لمصلحته، هو “الإهانة الكبرى” لصندوق الاقتراع. هذا النوع من “الترحال السياسي المصلحي” لم ينخر الأحزاب فحسب، بل حوّل العمل السياسي إلى سوق للمزايدات، حيث السيادة لمن يملك المال وليس لمن يملك الفكر أو البرنامج.
لقد أصبحت هذه الآفة “قاعدة” يُربى عليها جيل كامل، مما خلق حالة من التطبيع مع الفساد؛ فأصبح المفسد “شاطراً” والمثقف النزيه “مثالياً حالماً” لا مكان له في كراسي القرار.
المؤسسة الملكية هي صمام الأمان في وجه “مأسسة الريع” أمام هذا “التغول المالي” وعجز النخب السياسية عن إصلاح نفسها من الداخل،حيث يجد المواطن نفسه يرفع بصره تلقائياً نحو المؤسسة الملكية. ليس من باب الاتكالية، بل لأنها الوحيدة التي تمتلك “الشرعية التاريخية” و”الرؤية الاستراتيجية” للترفع عن هذه الصراعات الصغيرة.
إننا اليوم في أمس الحاجة إلى “زلزال سياسي” حقيقي يجسد مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”٫ لا كشعار للاستهلاك الإعلامي، بل كقرار سامٍ يطهر الجسم السياسي من “الانتهازيين” الذين اتخذوا من وظائف الدولة الكبرى دروعاً لحماية مصالحهم الخاصة.
إن الحل الأنجع لكسر “مأسسة الفساد” لا يكمن في القوانين الجامدة التي يتحايل عليها “أباطرة المال”، بل في تحالف ثلاثي الأبعاد:
1. صرامة ملكية لا تستثني أحداً، تعيد للهيبة معناها وللقانون سطوته.
2. إعادة الاعتبار للنخبة المثقفة التي تملك “العقل والبوصلة” لإدارة المشاريع الكبرى بنزاهة علمية.
3. صحوة مجتمعية ترفض “السياسي المتمول” وتستعيد دورها في الرقابة والمحاسبة.
إن المشاريع الكبرى التي تحققت في بلادنا ستظل “جسداً بلا روح” إذا استمرت “العدوى السياسية” في استنزاف الثقة. لقد حان الوقت لنفهم أن أخلقة الحياة العامة هي “بوليصة التأمين” الوحيدة لمستقبل الاستقرار.
إن الوطن لا يُبنى بـ “المقاولين السياسيين” الذين يهرعون خلف الامتيازات، بل برجال دولة يرتعدون خوفاً من المحاسبة، ويجدون في “القرار السامي” دافعاً للإنجاز لا سياجاً للاحتماء. فهل نحن مستعدون لهذه الجراحة المؤلمة، أم سنظل رهائن لجيل سياسي أدمن الريع حتى اعتبره حقاً مكتسباً؟
✍️بقلم مدير تحرير دوكيسا بريس
رضى ألمانيا
مأسسة الفساد: حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة والوطنية إلى استثمار.
أضف تعليقك

