في ذاكرة كثير من المشاهدين، كان لشهر رمضان طعم خاص لا يشبه أي وقت آخر من السنة. لم يكن الأمر يتعلق فقط بموعد الإفطار أو السهرات العائلية، بل أيضاً بتلك اللحظات التي كانت العائلات تجتمع فيها أمام شاشة التلفاز لمتابعة أعمال درامية تحمل رسالة وقيمة.
ومن بين أبرز تلك الأعمال التي صنعت ذاكرة رمضان في ثمانينيات القرن الماضي، يبرز المسلسل الشهير ” محمد رسول الله”، الذي نجح في الجمع بين الدراما التاريخية والروحانية، مقدماً للمشاهدين قصصاً من التاريخ الإسلامي بأسلوب مؤثر وبسيط يصل إلى القلب قبل العقل.
نجوم كبار صنعوا عملاً خالداً
تميز المسلسل بمشاركة نخبة من كبار نجوم الدراما العربية الذين منحوا العمل ثقلاً فنياً كبيراً، من بينهم:
•أحمد مظهر
•كريمة مختار
•عبد الله غيث
•حمدي غيث
•صفاء أبو السعود
•إيمان الطوخي
وقد استطاع هؤلاء الفنانون تقديم شخصيات تاريخية بروح صادقة جعلت المشاهد يعيش تفاصيل الأحداث وكأنها تجري أمامه.
حين كان رمضان مدرسة للقيم
لم يكن هذا العمل مجرد مسلسل يُعرض في رمضان، بل كان نافذة على التاريخ، ومدرسة للقيم، وفرصة للتأمل في معاني الإيمان والصبر والتضحية.
كانت تلك الأعمال تملك رسالة واضحة، وتحترم عقل المشاهد، وتقدم محتوى يجمع بين المتعة والمعرفة.
أين اختفت دراما رمضان الحقيقية؟
لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو:
أين اختفت تلك الأعمال؟
فما يُعرض في عدد من القنوات خلال السنوات الأخيرة لا يرقى إلى مستوى ما كان يُقدم في الماضي. إذ تحولت البرمجة الرمضانية في كثير من الأحيان إلى سباق في الضجيج والإثارة الفارغة والقصص السطحية التي لا تحمل قيمة فكرية ولا رسالة ثقافية.
بدلاً من الأعمال التاريخية والدرامية العميقة التي كانت تغذي الوعي، أصبح المشاهد يواجه سيلاً من المسلسلات المتشابهة التي تعتمد على الفضائح والابتذال والصراعات المفتعلة لجذب الانتباه.
بين زمنين
هكذا يقف المشاهد اليوم بين زمنين:
زمن كانت فيه الدراما الرمضانية تحترم عقل الجمهور وتغذي روحه، وزمن آخر أصبحت فيه الشاشة مليئة بأعمال سريعة الاستهلاك، تُنسى بمجرد انتهاء الموسم.
ولعل استحضار أعمال مثل ” محمد رسول الله” ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو تذكير بأن الدراما يمكن أن تكون فنّاً راقياً ورسالة ثقافية في آن واحد.
ربما لا يمكن إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، لكن يمكن على الأقل استعادة روح تلك المرحلة التي كان فيها الفن يحمل رسالة ويحترم عقل المشاهد. فبين دراما الأمس ودراما اليوم مسافة شاسعة؛ مسافة بين أعمال صنعتها الفكرة والقيمة، وأعمال تُصنع اليوم على عجل لإملاء ساعات البث والإعلانات.
إن استحضار مسلسلات مثل “محمد رسول الله” ليس مجرد حنين عابر إلى الماضي، بل هو دعوة صريحة إلى مراجعة ما يُقدَّم للمشاهد في شهر رمضان. فالشهر الذي كان موسماً للأعمال الهادفة أصبح في كثير من الأحيان موسماً للضجيج الدرامي الذي يختفي أثره مع نهاية الحلقة الأخيرة.
واليوم آن الأوان أن يدرك صناع الدراما أن الجمهور لا يرفض الأعمال الجديدة، لكنه ببساطة يبحث عن الجودة والرسالة والصدق… وهي القيم التي صنعت مجد دراما رمضان في زمنٍ لم يكن فيه سوى قناة واحدة، لكنها كانت كفيلة بأن تجمع أمة كاملة أمام الشاشة
✍️دوكيسا بريس
