ما أجمل أن يسرح بنا الخيال إلى زمن مضى، زمن كانت فيه العرائش تلبس ثوبها الروحي بكل وقار وهيبة، وتتنفس عبق الذكر والمديح من زواياها المنتشرة في أحيائها ودروبها. كان ذلك زمن أهل الله، حين كانت الزوايا الصوفية تشكل جزءاً أصيلاً من هوية المدينة؛ من الزاوية الحراقية إلى التجانية، ومن القادرية إلى المصباحية، مروراً بالحمدوشية والصديقية والعسرية والبدوية والناصرية.
ورغم اختلاف الطرق والمشارب، كانت القلوب تجتمع على المحبة والتآلف، خاصة في صباحات العيد. هناك، كانت العرائش ترسم لوحة فريدة قلّ أن تجد لها مثيلاً في مدينة أخرى.
مع بزوغ أولى خيوط الفجر، وقبل أن تدب الحركة في الأزقة والشوارع، كان أهل المدينة يتوافدون إلى المسجد الأعظم. رجال بجلابيبهم البيضاء، وشيوخ يحملون هيبة السنين، وشباب يتشوقون لمرافقة هذا الموكب الذي انتظرته المدينة عاماً كاملاً.
عند حدود السابعة صباحاً، يبدأ المشهد الذي لا يزال محفوراً في ذاكرة أبناء الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. يلتقي الجميع بباب المسجد الأعظم (الجامع الكبير )، ثم يتحرك الموكب الرسمي في اتجاه البلدية حيث نقطة الانطلاق، يتقدمه الباشا والوفد المرافق له، بينما ترتفع أصوات التهليل والتكبير والأذكار، ممزوجة بأبيات من البردة والهمزية والأمداح النبوية التي كانت تملأ الأجواء سكينة وخشوعاً.
وكان للموكب رجال اشتهروا بحسن الصوت وعذوبة الأداء، أسماء ما زالت تتردد في ذاكرة العرائشيين إلى اليوم: الشريف الطيب الوزاني، الشريف الغيلاني ولد الفقيه، الشريف الحمدوشي، الشريف عبد الواحد لمراني الذي كان يمسك العصا بيده وكان المكلف بإقامة صلاة، وخلفه أخوه الشريف أحمد لمراني، ثم الشريف عبد الحميد، والشريف عيسى ضمضم، والشريف أحمد شقارة، والشريف بوغالب اليملاحي، والشريف محمد جويهر، وغيرهم من رجال المديح والسماع الذين منحوا تلك اللحظات رونقاً خاصاً.
ويمضي الموكب في هدوء مهيب عبر شارع محمد الخامس، متجهاً نحو مصلى العيد الذي كان قائماً بجوار مقبرة سيدي علال بن أحمد، في المكان الذي يحتضن اليوم مسجد محمد السادس. كانت المدينة كلها تتابع هذا المشهد؛ نوافذ مفتوحة، ووجوه مبتسمة، وأطفال يراقبون بإعجاب ذلك الموكب الذي يشبه مواكب الحكايات القديمة.
وحين يصل الجميع إلى المصلى، تُقام صلاة العيد في أجواء من الخشوع والفرح، ثم يتفرق الناس بعد أداء الشعيرة على أنغام جوقة لابانضة برئاسة المرحوم الهاشمي (با خي). لكن الحكاية لم تكن تنتهي هنا، بل كانت تبدأ فصلاً آخر من فصول العيد الجميل.
فبعد الصلاة، كان أعيان المدينة والمدعوون يتوجهون إلى مقر البلدية، حيث تقام حفلة شاي العيد. هناك، وعلى أنغام الطرب الأندلسي الذي يحييه جوق الرابطة، يلتقي وجهاء المدينة وأهلها في أجواء يسودها الود والاحترام. وكانت الدعوات تصل بشكل رسمي عبر المقدمية، في تقليد يعكس مكانة المناسبة وهيبتها.
تلك كانت العرائش كما عرفها أهلها؛ مدينة يجتمع فيها الدين بالثقافة، والروحانية بالأصالة، والفرح بالوقار. أيام لا تزال صورها مرسومة في الذاكرة، كلما مرّ العيد عاد معها الحنين إلى زمن بسيط وجميل، زمن كانت فيه العلاقات أدفأ، والقلوب أقرب، والأفراح أكثر صدقاً.
رحم الله من رحلوا عنا من رجال تلك المرحلة، وأطال عمر من بقي شاهداً عليها. أما نحن، فما زلنا نحمل تلك الصور في قلوبنا، ونردد كلما تذكرناها: ليت الزمان يعود يوماً، لنعيش من جديد تلك اللحظات التي صنعت أجمل ذكريات العرائش.
✍️بقلم مدير التحرير لدوكيسا بريس رضى ألمانيا


