دوكيسا بريس | تحليل سياسي
لم تعد الأزمة بين المغرب وإسبانيا مجرد توتر حول سبتة أو ملف هجرة، بل أصبحت جزءاً من معادلة أوسع تشمل الاتحاد الأوروبي، الأمن، التجارة، الصيد البحري، الموانئ، الصحراء وإعادة ترتيب العلاقات في شمال إفريقيا.
وسط هذا التشابك يبرز السؤال:
من يملك مفاتيح الأزمة؟ المغرب بما تمنحه له الجغرافيا من أوراق ضغط، أم إسبانيا بما تستند إليه من ثقل أوروبي ومؤسساتي؟
من سبتة إلى بروكسل
تحرك رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس نحو بروكسل يعكس رغبة مدريد في تقديم سبتة باعتبارها جزءاً من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتحويل الأزمة من ملف ثنائي إلى قضية أوروبية.
لكن هذه الخطوة لا تعني أن بروكسل ستتبنى بالضرورة الموقف الإسباني بالكامل، فالاتحاد الأوروبي يرتبط بالمغرب بمصالح واسعة تشمل التجارة والاستثمارات والطاقة والفلاحة والأمن والهجرة.
لذلك تستطيع إسبانيا تدويل الأزمة أوروبياً، لكن المغرب يستطيع في المقابل تذكير العواصم الأوروبية بأن علاقتها به تتجاوز الخلاف الإسباني المغربي.
الصيد والموانئ.. حين تتحول الجغرافيا إلى ورقة ضغط
يظهر أثر الخلاف بوضوح في قطاع الصيد الإسباني، خصوصاً في الأندلس وخليج قادس، حيث ترتبط سفن وأسر عديدة بإمكانية العمل في المياه المغربية.
كما أن عملية «مرحبا»، التي يعبر خلالها ملايين المغاربة المقيمين في أوروبا، تمنح الموانئ الإسبانية عائدات مهمة من النقل والخدمات والسياحة.
وقد أظهرت أزمات سابقة أن تحويل جزء من حركة العبور نحو موانئ أوروبية أخرى يمكن أن يترك أثراً اقتصادياً مباشراً على إسبانيا.
وهنا تكمن المفارقة: قرب إسبانيا من المغرب يمنحها امتيازاً، لكنه يجعل قطاعات فيها مرتبطة أيضاً باستقرار العلاقة مع الرباط.
الهجرة.. الورقة الأكثر حساسية
لا تستطيع مدريد أو بروكسل إدارة الحدود الجنوبية لأوروبا بعيداً عن التعاون المغربي.
فالمراقبة لا تبدأ عند أسوار سبتة ومليلية، بل تعتمد كذلك على التنسيق الأمني والاستخباراتي داخل الأراضي المغربية.
وبعيداً عن أي توظيف سياسي لمعاناة المهاجرين، يبقى واضحاً أن المغرب يشكل حلقة أساسية في منظومة الأمن والهجرة الأوروبية، وهو ما يمنحه وزناً تفاوضياً لا يمكن تجاهله.
الناتو وواشنطن.. قوة إسبانية تحت الاختبار
تستند إسبانيا إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي، لكن هذه الورقة لا تعمل بمعزل عن العلاقة مع واشنطن، القوة العسكرية الأبرز داخل الحلف.
ومع توتر العلاقة بين حكومة بيدرو سانشيز وإدارة الرئيس دونالد ترامب، خصوصاً بشأن الإنفاق الدفاعي، تصبح قدرة مدريد على تقديم الناتو كضمانة سياسية مطلقة موضع تساؤل.
أما غياب إسبانيا عن بعض اجتماعات مجموعة العشرين خلال الرئاسة الأمريكية، فلا يعني فقدانها وضعها كضيف دائم، لكنه يضيف مؤشراً إلى اتساع مساحة التباين بين مدريد وواشنطن.
شمال إفريقيا وملف الصحراء
تعمل إسبانيا على إعادة ترتيب علاقاتها في شمال إفريقيا، غير أن المنطقة تحكمها تنافسات إقليمية وحسابات أمنية معقدة، وفي قلبها ملف الصحراء.
لذلك فإن محاولة الاقتراب من أطراف متعددة في الوقت نفسه قد تمنح مدريد هامشاً للمناورة، لكنها قد تفرض عليها أيضاً كلفة سياسية إذا تعارضت حساباتها مع مصالح أحد شركائها الأساسيين.
ولا توجد معطيات تثبت تورط طرف ثالث في الأزمة، غير أن توقيت التحركات الإقليمية يظل جديراً بالقراءة.
المغرب أيضاً أمام حسابات دقيقة
رغم امتلاكه أوراقاً مهمة، لا يستطيع المغرب التصعيد بلا حدود.
فإسبانيا شريك تجاري رئيسي، والاتحاد الأوروبي سوق أساسية للصادرات المغربية ومصدر مهم للاستثمارات. كما أن تنظيم مونديال 2030، بمشاركة المغرب وإسبانيا والبرتغال، يتطلب مستوى عالياً من التنسيق.
لهذا فإن القطيعة الطويلة ستضر بالطرفين، وقد تتحول أوراق الضغط إلى أعباء على من يستخدمها.
من يملك مفاتيح الأزمة؟
تمتلك إسبانيا ثقل الاتحاد الأوروبي، وقوة المؤسسات والتحالفات الغربية.
ويمتلك المغرب الجغرافيا، والتعاون الأمني، والموانئ، والصيد، والتجارة، وموقعه كبوابة نحو إفريقيا.
لكن أياً من الطرفين لا يملك تفوقاً مطلقاً. فمدريد تستطيع نقل الأزمة إلى بروكسل، بينما تستطيع الرباط التأثير في ملفات أوروبية حساسة. وإسبانيا تستند إلى الناتو، لكنها تحتاج إلى حساب موقف واشنطن. أما المغرب فيملك أوراقاً اقتصادية وجغرافية، لكنه يدرك كلفة مواجهة طويلة مع إسبانيا وأوروبا.
لذلك لا يتعلق الأمر بمن هو الأقوى، بل بمن يستطيع إدارة أوراقه بأقل كلفة، ومعرفة متى يضغط ومتى يتفاوض.
فالسياسة لا ينتصر فيها دائماً من يملك أكبر عدد من الأوراق، بل من يعرف أي ورقة يلعب، ومتى يلعبها، وأي ورقة يحتفظ بها حتى النهاية.
────────
✍️ رضى – ألمانيا
مدير دوكيسا بريس | حامل بطاقة صحافة دولية

