هذه الافتتاحية لا تستهدف شخصاً أو حزباً بعينه، وإنما تناقش ظاهرة سياسية وسلوكيات انتخابية عامة، وتطرح أسئلة مشروعة حول الحصيلة والمسؤولية والمحاسبة.
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تبدأ ظاهرة أصبحت مألوفة لدى المواطن: وجوه غابت طويلاً تعود إلى الواجهة، وخطابات تستعيد فجأة كلمات المواطن والفقر والشباب والتنمية والكرامة.
ومن كان بعيداً عن هموم الناس يصبح أكثر قرباً منهم، ومن لم يكن يُرى في الأحياء والأسواق والمقاهي يصبح فجأة حاضراً في كل مكان.
سبحان مغير الأحوال عند اقتراب الانتخابات!
لكن الأكثر إثارة هو ما نشاهده أحياناً من تبدل في المواقف والتحالفات والانتماءات.
حزب بالأمس، وموقع آخر اليوم، وتحالف جديد غداً.
ولا اعتراض على أن يغير الإنسان قناعته السياسية، فهذا حقه، لكن من حق المواطن أيضاً أن يسأل:
هل تغيرت القناعة فعلاً، أم تغير فقط موقع المصلحة؟
وهنا يبدأ جوهر المشكلة.
فالسياسة الحقيقية يفترض أن تعمل على تحرير المواطن من الفقر والحاجة، لا أن تجعل احتياجاته مناسبة موسمية لاستعراض الخدمات والمساعدات.
نحن لا نحتاج إلى سياسي يوزع الفتات على المواطن، بل إلى سياسة تجعل المواطن غير محتاج إلى ذلك الفتات أصلاً.
نحتاج إلى عمل كريم، وتعليم جيد، وصحة تحفظ كرامة الإنسان، وإدارة تمنح المواطن حقه دون وساطة، وشباب يرى مستقبله أمامه ولا يضطر إلى البحث عنه وراء الحدود.
وسبتة… السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه
المشاهد المؤلمة المرتبطة بمحاولات الوصول إلى سبتة يجب ألا تمر كخبر عابر.
عندما يرى المجتمع شباباً وقاصرين يغامرون بأنفسهم نحو المجهول، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون أمنياً فقط:
لماذا وصل بعض شبابنا إلى مرحلة أصبح فيها المجهول خلف الحدود أكثر إغراءً من البقاء؟
وهنا يصبح السؤال السياسي مشروعاً.
أين نجحت سياسات تشغيل الشباب؟
أين برامج محاربة الهشاشة؟
أين التنمية التي يسمع عنها المواطن في الخطب والبرامج؟
وأين دور المنتخب عندما يفقد شباب من مدينته الأمل إلى درجة التفكير في المخاطرة بأنفسهم؟
لا نقول إن منتخباً بعينه أو حزباً بعينه مسؤول عن قرار كل شاب حاول الوصول إلى سبتة، فالهجرة ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل كثيرة.
لكن من حق المواطن أن يسأل من تولوا المسؤولية:
ماذا كانت حصيلتكم؟
وإذا كانت صور شبابنا وهم يبحثون عن مستقبلهم خلف الحدود لا تدفع المسؤول السياسي إلى مراجعة حصيلته، فما الذي سيدفعه؟
إن سبتة هنا ليست مادة لتصفية الحسابات، بل جرس إنذار.
جرس يقول إن هناك شباباً فقدوا شيئاً خطيراً جداً: الأمل.
ومن يريد أن يستعيد ثقة هؤلاء، لن يفعل ذلك بشعار انتخابي ولا بصورة في أحد الأحياء ولا بمساعدة موسمية.
الثقة تُبنى بالعمل والنتائج.
ذاكرة المواطن هي الحكم
أما محترفو تبديل الجلود الانتخابية كلما تغير اتجاه الريح، فنقول لهم:
غيّروا الأحزاب…
غيّروا الشعارات…
غيّروا التحالفات…
وغيّروا المواقع كما تشاؤون…
لكن لا تراهنوا كثيراً على أن ذاكرة المواطن ستتغير معكم.
فالفتات قد يسكت الجوع لساعات…
لكنه لا يبني وطناً.
والوطن لا يحتاج إلى من يتذكر الفقير قبل الانتخابات، بل إلى سياسات تجعله قادراً على العيش بكرامة طوال السنة.
ولا يحتاج إلى من يَعِد الشباب بالمستقبل عندما يحتاج إلى أصواتهم، بل إلى من يصنع معهم ذلك المستقبل قبل أن يصلوا إلى مرحلة يرون فيها الهروب نحو سبتة حلاً.
ولهذا، عندما تبدأ الجولات الانتخابية وتعود الوجوه إلى الأحياء، ربما يكون على المواطن ألا يسأل:
ماذا ستفعلون لنا؟
بل أن يبدأ بالسؤال الأصعب:
ماذا فعلتم لنا عندما كانت المسؤولية بين أيديكم؟
وأين كنتم عندما كان شبابنا يبحثون عن الأمل؟
وأين كنتم عندما كانت الأسر تخشى على أبنائها؟
وأين كانت كل هذه الحماسة التي تظهر اليوم؟
فالسياسة ليست موسماً…
والمواطن ليس صوتاً انتخابياً…
والكرامة ليست قفة…
ومن يريد ثقة المواطن غداً، عليه أن يقدم له حصيلة الأمس
✍️دوكيسا بريس

