في دولة تواجه تحديًا مائيًا متصاعدًا مثل المغرب، لم يكن مشروع الطريق السيار المائي مجرد خيار تنموي عادي، بل كان جزءًا من رؤية استراتيجية بعيدة المدى أطلقها جلالة الملك محمد السادس لضمان الأمن المائي الوطني، وتحقيق توازن بين الأحواض التي تعرف فائضًا وتلك التي تعيش على وقع العجز.
الرؤية كانت واضحة.
التحذير كان مبكرًا.
والتوجيه كان صريحًا بضرورة التسريع وعدم إضاعة الزمن.
لكن… ماذا حدث في الواقع؟
سنوات من التعثر… وملايين الأمتار المكعبة تُلقى في البحر
في الوقت الذي كانت فيه بعض المناطق تختنق بالعطش، شهدت أخرى تساقطات استثنائية أدت إلى تدفق كميات ضخمة من المياه نحو البحر. مياه كان يمكن تحويلها، تخزينها، أو إعادة توزيعها لو كانت أجزاء المشروع جاهزة في وقتها.
كم من ملايين الأمتار المكعبة ضاعت؟
كم من احتياطي استراتيجي تبخر بسبب بطء المساطر؟
وكم من فرصة ضاعت بسبب غياب الجرأة في التنفيذ؟
الأمر لا يتعلق بظاهرة طبيعية خارجة عن السيطرة، بل بسؤال حكامة وتنزيل.
الرؤية الملكية كانت استباقية.
لكن التنفيذ لم يكن في مستوى الاستباق.
القصر الكبير… مثال حي على كلفة التأخر
ما وقع في القصر الكبير لم يكن مجرد فيضانات موسمية. لقد عاشت المدينة لحظات قاسية، تم فيها إخلاء أحياء كاملة، وارتفع منسوب القلق إلى أقصى درجاته، وكادت تتحول الوضعية إلى كارثة حقيقية.
لو تم تسريع وتيرة تنزيل المخطط الملكي، ولو كانت قنوات التحويل والربط بين الأحواض مكتملة، لكان بالإمكان امتصاص جزء مهم من الفائض المائي بدل أن يتحول إلى خطر يهدد السكان.
الطريق السيار المائي ليس فقط لمواجهة الجفاف…
بل هو كذلك آلية لتدبير الفيضانات.
التأخر هنا لم يكن تقنيًا فحسب، بل كانت له تبعات اجتماعية وأمنية مباشرة.
الرؤية في مستوى التحدي… فهل كان التنفيذ كذلك؟
جلالة الملك محمد السادس أكد في أكثر من مناسبة أن الأمن المائي قضية سيادية، وأن تدبير الماء يجب أن يتم بعقلية استباقية، قائمة على الربط بين الأحواض، وتسريع بناء السدود، وتحلية المياه، وإعادة الاستعمال.
هذه رؤية دولة.
لكن تنزيلها يتطلب إدارة يقظة، وتنسيقًا صارمًا، ومحاسبة واضحة.
عندما تتعطل المشاريع لسنوات، وعندما تتعقد المساطر، وعندما يغيب التواصل الشفاف حول نسب الإنجاز، فإننا لا نهدر الوقت فقط… بل نهدر الثقة.
أسئلة مشروعة في زمن المحاسبة
•لماذا لم تُسرّع وتيرة إنجاز المقاطع المتعثرة؟
•لماذا لم يتم اختصار المساطر كما حدث في أوراش وطنية أخرى؟
•من يتحمل مسؤولية السنوات الضائعة؟
•وهل سيتم تقييم شامل لما ضاع من مياه كان يمكن أن تشكل مخزونًا استراتيجيًا اليوم؟
المغرب لا تنقصه الرؤية، ولا تنقصه الإرادة العليا.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في جعل الإدارة في مستوى التوجيهات الملكية.
الماء الذي صُبّ في البحر كان يمكن أن يكون أمانًا لمواسم جفاف قادمة.
والفيضانات التي أربكت القصر الكبير كان يمكن أن تُخفف حدتها.
الأمن المائي ليس ملفًا قطاعيًا عابرًا، بل هو ركيزة استقرار وطن بأكمله.
وإذا كانت الرؤية الملكية قد استبقت الأزمة…
فإن المرحلة اليوم تقتضي شجاعة في التقييم، ووضوحًا في المحاسبة، وتسريعًا لا يقبل مزيدًا من التأجيل.
دوكيسا بريس ✍
