سعد ابلاع.. منزلة برد ومطر في ذاكرة الفلاح المغربي
حل علينا يوم السبت 17 يناير 2026 موعد منزلة سعد ابلاع، وهي المنزلة الخامسة من فصل الشتاء وثاني “السعودات” الأربعة المعروفة في الموروث الفلاحي الشعبي. وتأتي بعد أربعة أيام من دخول السنة الفلاحية، وفي قلب النصف الثاني من فترة الليالي السود، حيث يكون النهار قد زاد طوله بحوالي 18 دقيقة.
وتعد هذه المرحلة من أقسى فترات السنة برودة، إذ تمتزج فيها الرياح الباردة بالأمطار الغزيرة، وتستعيد الأرض أنفاسها بعد عطش طويل، لتبتلع مياه السماء وتخزنها في جوفها، فينعش ذلك الفرشة المائية وتغتني الينابيع والعيون التي يعتمد عليها الفلاح صيفًا.
وقد ورد ذكر هذه المنزلة في كتاب “العمدة في محاسن الشعر وآدابه” لابن رشيق القيرواني، حيث قال:
“سعد بلع وهما كوكبان صغيران في المجرة، شبها بفم مفتوح يريد أن يبتلع شيئًا، وقيل سمي كذلك كأنه بلع شاته…”
أما في الذاكرة الشعبية، فقد خلّد الأجداد هذه الفترة بأمثال شعبية معبرة، من بينها:
•“سعد ابلاع كيجمد الماء في رأس القرع”
•“في سعد ابلاع كلو ما يشبع، سخرو ما يرجع، كلمو ما يسمع”
•“في سعد ابلاع السماء تسقي والأرض تبلع”
وهي أمثال تلخص قساوة البرد وقوة الأمطار، حيث تصبح الأرض أشبه بإسفنج يمتص كل قطرة مطر.
فترة العمل الصامت في الحقول
سعد ابلاع ليست فقط أيام برد، بل هي أيضًا مرحلة مهمة للفلاح، حيث تُعد الفترة المثالية لتقليم الأشجار المثمرة وتلقيحها، وكأن الشجرة تخاطب الفلاح قائلة:
“ازبرني في الليالي ولا خليلي ديالي”
أي اعتنِ بي في أيام البرد لأثمر لك في الربيع.
قصة سعد… من الذبح إلى البلع
يرتبط اسم “سعد” بسلسلة قصص شعبية تُعرف بـ”السعودات”، وتبدأ بقصة سعد الذابح، حيث خرج شاب يُدعى سعد في رحلة خلال يوم دافئ من يناير، غير آبه بنصيحة والده بضرورة حمل ما يقيه البرد. لكن الجو انقلب فجأة، فاشتد البرد وتساقطت الثلوج، ولم يجد سعد حلًا سوى ذبح ناقته ليتدفأ بوبرها، ومن هنا جاءت تسمية سعد الذابح.
وبعد مرور 13 يومًا، اشتد الجوع بسعد، ولم يجد ما يسد به رمقه سوى أكل لحم ناقته المذبوحة، لتبدأ أيام سعد بلع أو سعد ابلاع، الممتدة من 17 إلى 30 يناير، والتي تتميز بأن الأرض تبتلع المطر بسرعة مهما اشتد الهطول.
الليالي السود.. أربعون يومًا من الصبر
وتدخل هذه المنزلة ضمن فترة الليالي المعروفة عند المغاربة ببرودتها القاسية، والتي تمتد حوالي 40 يومًا من 25 دجنبر إلى 2 فبراير، وعنها قال الأجداد:
•“إذا خرجت الليالي انقش الفول وزيد حتى الدوالي”
•“الليالي السود يفتح فيها كل عود”
ومع نهاية هذه الفترة، يبدأ الفلاح يستعيد الأمل، وتتنفس الأرض والحياة من جديد.
القادم أجمل: سعد السعود
بعد سعد ابلاع، تحل علينا منزلة سعد السعود الممتدة من 30 يناير إلى 11 فبراير، حيث يبدأ الدفء تدريجيًا في العودة، وتخرج الحيوانات من سباتها الشتوي، وتستعيد الطبيعة إشراقتها. وسنخصص لها موضوعًا خاصًا عند حلولها بإذن الله.
