لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري سوى بداية المشهد. فبعد حسم اسم المكلفة بتشكيل الحكومة، بدأت معركة أكثر تعقيداً: كيف ستُجمع أحزاب تملك برامج انتخابية مختلفة حول حكومة واحدة؟ وبأي ثمن؟
على الورق تبدو المعادلة بسيطة؛ فالأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار على 66، والاستقلال على 65، أي 228 مقعداً من أصل 395. لكن امتلاك الأغلبية العددية لا يعني بالضرورة امتلاك توافق سياسي.
فهذه الأحزاب لم تدخل الانتخابات ببرنامج واحد، بل قدم كل منها للناخبين وعوداً وأولويات واختيارات مختلفة. وبالتالي، فإن جمعها داخل حكومة واحدة يعني حكماً تقديم تنازلات: في البرامج، وفي ترتيب الأولويات، وربما في بعض الالتزامات الانتخابية.
وهنا يبدأ السؤال الأكثر حساسية:
هل سيكون التوافق على البرنامج أم على الحقائب؟
فإذا كان الاتفاق سيبدأ ببرنامج حكومي مشترك، ثم تُوزع المسؤوليات لتنفيذه، فذلك يدخل في منطق الائتلاف السياسي الطبيعي.
أما إذا أصبحت الحقائب ومراكز القرار هي محور التفاوض، ثم جرى البحث عن برنامج يجمع الأطراف، فإن المشهد يأخذ بعداً مختلفاً.
فالمالية والاقتصاد والاستثمار والقطاعات الاجتماعية وغيرها ليست مجرد حقائب، وإنما مواقع مؤثرة في رسم توجه الحكومة وتنفيذ وعودها.
والسؤال هنا ليس من سيحصل على حقيبة بعينها، وإنما:
ماذا سيقدم كل حزب مقابل مشاركته في الأغلبية، وماذا سيحتفظ به من برنامجه الذي طلب على أساسه أصوات الناخبين؟
المفارقة أن الحزب المتصدر يملك 97 مقعداً، لكنه يحتاج إلى شركائه لضمان الأغلبية؛ بينما يملك RNI والاستقلال، رغم أنهما ليسا في الصدارة، ورقة تفاوضية مهمة تتمثل في أصواتهما.
وهكذا تتحول الـ228 مقعداً من مجرد رقم انتخابي إلى ميزان للقوة داخل مفاوضات تشكيل الحكومة.
لكن هناك طرفاً آخر سيدخل هذه المعادلة من خارج غرفة المفاوضات: المواطن.
فقد انتهى دوره في صندوق الاقتراع، لكنه سيعود لاحقاً ليقارن بين ما سمعه خلال الحملة الانتخابية وما سيجده في البرنامج الحكومي.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي:
هل ستكون التنازلات التي ستقدمها الأحزاب ثمناً لبناء برنامج حكومي مشترك، أم ثمناً لتوزيع مراكز القرار؟
لا يمكن حسم الإجابة قبل انتهاء المشاورات وظهور تركيبة الحكومة وبرنامجها.
لكن المؤكد أن المعركة الحقيقية بدأت الآن؛ فالمقاعد حُسمت في صناديق الاقتراع، أما ثمن تشكيل الحكومة فلم يُحسم بعد.
دوكيسا بريس تفتح هذا الملف من زاوية مختلفة: ليس من سيحصل على الحقيبة، وإنما ماذا دفع مقابلها، وماذا بقي من الوعود التي قدمها للناخب؟
✍️تحليل وتحقيق دوكيسا بريس

