انتهت اليوم مرحلة أخرى من أزمة سبتة بإخلاء آخر تجمعات المهاجرين من شاطئ بنيتز، وعودة عدد منهم إلى المغرب، طوعاً أو في إطار إجراءات الإعادة. لكن اختزال المشهد في صور المغادرين وأعداد العائدين قد يكون أسهل جزء في القصة، بينما تبقى الأسئلة الأكثر إيلاماً بلا جواب.
ماذا عن الذين لم يعودوا؟
ماذا عن الشباب الذين ابتلعهم البحر، والجثامين التي لفظتها الأمواج، والمفقودين الذين لا تعرف أسرهم حتى الآن مصيرهم؟ وماذا عن الأطفال والقاصرين الذين وجدوا أنفسهم وسط هذه المأساة بعيداً عن أسرهم؟
المؤلم أكثر أن أرقام الضحايا نفسها ظلت محل اختلاف كبير بين المعطيات المغربية والإسبانية وتقديرات جهات حقوقية، وهو اختلاف لا يتعلق بمجرد إحصائيات، بل بأرواح وعائلات تنتظر الحقيقة. فخلف كل رقم اسم، وخلف كل اسم أسرة وأم وأب ينتظرون خبراً عن ابن خرج ولم يعد.
وهنا لا بد من طرح سؤال واضح: هل توجد اليوم لائحة نهائية وشفافة للمفقودين والضحايا؟ وكم جثماناً تم التعرف عليه؟ وكم منها لا يزال مجهول الهوية؟ وهل حصلت كل أسرة على جواب رسمي؟
والسؤال يصبح أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالأطفال. فبين الذين حاولوا الوصول إلى سبتة كان هناك قاصرون ويافعون، بعضهم وصل، وبعضهم اختفى، وبعضهم أصبح بعيداً عن أسرته. ومن حقنا أن نسأل: من يتابع هؤلاء؟ ومن يبحث عن أسرهم؟ ومن يضمن ألا يتحول الطفل المفقود إلى مجرد رقم في ملف الهجرة؟
ثم نصل إلى السؤال الذي رافقنا منذ بداية هذه القضية: لماذا الآن؟
إذا كانت إعادة الموجودين هي الحل، فلماذا احتاج الأمر إلى كل هذه الأسابيع؟ ماذا تغير بين نهاية يوليوز ونهاية شتنبر؟ هل كانت هناك عوائق قانونية وإدارية؟ هل تغير التنسيق بين الرباط ومدريد؟ هل حدثت تفاهمات جديدة؟ أم أن الأمر مجرد استكمال لإجراءات احتاجت وقتاً؟
لا نملك دليلاً يسمح لنا بالحديث عن صفقة أو اتفاق سري، ولا ينبغي أن نصنع حقيقة من مجرد الشك. لكن تزامن التطورات الأخيرة يجعل السؤال مشروعاً، بل ضرورياً.
وهناك سؤال آخر أكثر حساسية: لو انعكس المشهد، وكان الضحايا والمفقودون أطفالاً وشباباً إسباناً، هل كان الملف سيحظى بالاهتمام نفسه؟
ليس المقصود التقليل من قيمة أي إنسان أو مقارنة مأساة بأخرى، وإنما التذكير بأن حياة المغربي يجب أن تكون لها القيمة الإنسانية نفسها. فكما تستحق كل أسرة معرفة مصير ابنها، تستحق الأسر المغربية أيضاً أن تعرف أين انتهى أبناؤها.
لقد رأينا اليوم من عادوا، لكننا لا نرى بالقدر نفسه من لم يستطيعوا العودة.
الموتى لا يستطيعون الكلام، والمفقودون لا يستطيعون السؤال، والأطفال لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
لذلك لا ينبغي أن ينتهي ملف سبتة عند عبارة: تمت إعادة المهاجرين.
القضية الحقيقية تبدأ من هنا: من يحصي المفقودين؟ من يتعرف على الجثامين؟ من يبحث عن الأطفال؟ ومن يجيب الأمهات اللواتي ما زلن ينتظرن؟
فالعودة يمكن أن تنهي رحلة شخص، لكنها لا تنهي مأساة عائلة فقدت ابنها.
سبتة ليست فقط قصة من عبروا ومن عادوا… إنها أيضاً قصة من عبروا ولم يعودوا، ومن اختفوا بين الحدود والأمواج، ومن تنتظرهم أسرهم حتى اليوم.
فمن يعيد الذين لم يعودوا ؟
✍️تحقيق وتحليل دوكيسا بريس

