في الوقت الذي تئن فيه بيوت كثيرة خلف الأبواب المغلقة من فقر مدقع، وتكافح فيه أسر متعففة لتوفير قوت يومها أو ثمن دواء، نرى مشهداً سريالياً يتكرر كل عام: طوابير من “المحترفين” لزيارة بيت الله الحرام، يتسابقون لتكرار الحج للمرة الخامسة أو العاشرة، مدفوعين بشغف غريب، ليس بالضرورة لطلب المغفرة، بل لحصد لقب “الحاج” أو “الحاجة”!
لقد تحول الحج لدى فئة معينة في مجتمعنا من رحلة إيمانية لتجريد النفس من الكبر والغرور، إلى “برستيج” اجتماعي واستثمار في المظاهر، وسط غياب تام لـ “فقه الأولويات”.
معضلة التكرار.. أين نحن من الهدي النبوي؟
العجيب في أمر هؤلاء أنهم يتناسون، أو يجهلون، أن الرسول ﷺ -وهو المشرّع والأسوة الحسنة- لم يحج في حياته كلها إلا مرة واحدة وهي “حجة الوداع”. لم يكن عاجزاً عن التكرار، بل كان يرسخ مبدأً ويخفف عن الأمة.
لكن “حجاج السمعة” اليوم يصرون على مزاحمة المسلمين، وإنفاق الآلاف المؤلفة في رحلات تكرارية، في حين أن الشريعة الإسلامية واضحة كالشمس: دفع المفاسد وسد حاجات جياع المسلمين أولى ألف مرة من نافلة الحج والعمرة.
يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله لرجل أراد الحج نافلة:
“تصدق بمالك على مسلم تقضي دينه، أو تفرج كربه، أو تسد جوعته؛ فإن ذلك أفضل لك من مئة حجة بعد حجة الإسلام”.
شراء الألقاب” وعقدة النقص
إن خير البشر وأطهرهم كفاحاً، لم يقل له أحد قط “يا حاج محمد”، بل كان يُدعى باسمه، أو بصفة النبوة والرسالة. والصحابة الكرام الذين فتحوا الدنيا بزهدهم لم يكتب أحد منهم على باب بيته “منزل الحاج فلان”.
فلماذا استحدثنا في مجتمعاتنا هذه الوثنية اللفظية؟
إن الإصرار على انتزاع لقب “الحاج” أو “الحاجة” من أفواه الناس، والغضب إذا نسي أحدهم مناداتك به، ليس دليلاً على التقوى، بل هو دليل على رياء دفين وعقدة نقص مجتمعية تبحث عن حصانة دينية وهمية. الحج عبادة بينك وبين ربك، وليس شهادة دكتوراه فخرية تعلقها على جبهتك ليتمايل الناس أمامك احتراماً!
الكعبة الحقيقية في إطعام جائع
إن الثواب الأعظم الذي يبحث عنه هؤلاء في الزحام، موجود حرفياً على بعد خطوات من منازلهم. موجود في عيون يتيم كسر قلبه عيد الأضحى لأنه لا يملك ثمن أضحية، وفي دمعة أرملة تعجز عن توفير كسوة أولادها، وفي حسرة أب لا يملك قوت يوم عياله.
الإنفاق في السر على هؤلاء المتعففين يفوق في أجره -بإجماع علماء الأمة الفاهمين لمقاصد الدين- حج النافلة الذي يُنفق فيه المال للتباهي وسياحة العبادة.
خاتمة
لقد حان الوقت لننزع قدسية المظاهر عن هؤلاء. الدين ليس “براند” نرتديه لنتميز به على الخلق، والحج ليس رحلة استجمام سنوية لشراء الألقاب. إذا أردت حجاً مبروراً حقاً، فابحث عن بؤساء الناس في السر، واجعل من مالك حجاباً لهم من الفقر، فالله عز وجل لا ينظر إلى صوركم وألقابكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. كفاكم اتجاراً بالعبادات، فالإسلام جاء ليبني مجتمعاً متكافلاً، لا مجتمعاً يغصّ بـ “الحجاج” ويخلو من “المتصدقين”.
✍️دوكيسا بريس

