يحلّ فاتح مايو من كل عام، ومعه تستيقظ “المسرحية” الموسمية التي أتقن الجميع أدوارها؛ فبينما يستعد العامل لشحذ حنجرته بهتافات أكل الدهر عليها وشرب، يستعد “البارونات” ليوم من الاستجمام والراحة، بعيداً عن ضجيج الساحات التي لا تصل صداها إلى منتجعاتهم الفاخرة. إنه اليوم الذي يُسمى “عيد الشغل”، لكنه في جوهره ليس سوى “يوم الفلكلور العمالي” بامتياز.
مشهد سريالي: شعارات في مواجهة الاستجمام
المفارقة في هذا اليوم تثير السخرية بقدر ما تثير الشجن؛ ففي الوقت الذي يلتحف فيه العامل البسيط رداء الأمل، مطالباً بحقوق هي في الأصل “واجبات” قانونية (أجور عادلة، حماية اجتماعية، كرامة إنسانية)، يرى في الطرف الآخر أصحاب النفوذ والقرار يتعاملون مع اليوم كعطلة ربيعية للاستجمام. بالنسبة لهم، معاناة الشغيلة هي مجرد “ضجيج سنوي” عابر، ينتهي بمجرد غروب الشمس، لتظل تلك المطالب المشروعة مجرد “حبر على ورق” في أدراج المكاتب المكيفة.
مأساة “البلقنة” والابتلاع النقابي
إن العلة لا تكمن فقط في تعنت “البارونات”، بل في تفتت الجبهة الداخلية. ففي ظل انقسام نقابي حاد، تحول العمل النضالي إلى سباق نحو المصالح الضيقة. أصبحت النقابات—في كثير من الأحيان—كيانات تلهث خلف “فتات” التوافقات، مما جعلها تفقد بوصلتها وتتحول من “درع للعامل” إلى “جسر للوصول”. هذا التشرذم هو الهدية الأثمن التي قُدمت للطبقة المستغلة، التي ترفع شعار “فرق تسد” وتنفذه ببراعة تحت غطاء من الديمقراطية الصورية.
الأحزاب السياسية: الغائب الأكبر
ما يزيد المشهد قتامة هو الغياب التام للأحزاب السياسية عن هذا المنحنى. لقد انفصلت الأحزاب عن واقع الشارع العمالي، واكتفت بدور المتفرج أو المصفق من بعيد، تاركةً العامل وحيداً في مواجهة “السيستم” الذي ابتلع الجميع. وبما أن التشريع والسياسة بعيدان كل البعد عن أنين المعامل وصرخات الكادحين، فإن الوضع يسير حتماً نحو الأسوأ، حيث تزداد الفجوة اتساعاً بين من يملك كل شيء ومن لا يملك سوى صوته المبحوح.
وعادت حليمة لآلامها القديمة
تنتهي المسيرة، تُطوى اللافتات، وتعود الحشود إلى بيوتها محملة بوعود كاذبة، ليعود العامل في اليوم التالي إلى “ساقيته” اليومية بنفس الظروف، وبنفس الانكسار. إن تحويل قضية وجودية كقضية العمال إلى “طقس فلكلوري” سنوي هو أذكى وسيلة لامتصاص الغضب دون تقديم تنازلات حقيقية.
إن تسمية الأشياء بمسمياتها هي أولى خطوات الوعي. فاتح مايو لن يكون عيداً حقيقياً إلا إذا تحولت الشعارات إلى “خبز وحقوق”، وإذا توقفت النقابات عن كونها “دكاكين” سياسية، وإذا أدركت الأحزاب أن مكانها في قلب معاناة الناس لا في صالونات التوافق. وحتى ذلك الحين، سيظل هذا اليوم مجرد “بروتوكول” للاستعراض، بينما تظل الحقيقة المرة أن “حليمة” لم تعد فقط لعادتها القديمة، بل أصبحت العادة القديمة هي قدر العامل الذي لا يملك من أمره شي
“لعلها تجد آذاناً صاغية، وإن كان الشك في ذلك هو قمة اليقين بمرارة الواقع.”
✍️بقلم مدير تحرير دوكيسا بريس
رضى ألمانيا
“”فاتح ماي ” مهرجان الوعود السنوية حين تصبح المعاناة استعراضاً.
أضف تعليقك

