في سنة 2007، حين زار العاهل الإسباني خوان كارلوس سبتة ومليلية المحتلتين، لم يكن الموقف المغربي عادياً. فقد أدان الملك محمد السادس الزيارة بشدة، واستدعى المغرب سفيره لدى إسبانيا للتشاور، وخرج المغاربة للاحتجاج، وتحركت الأحزاب دفاعاً عن موقف اعتُبر مسألة كرامة وطنية.
اليوم، وبعد نحو تسعة عشر عاماً، يعود المشهد مع زيارة فيليبي السادس إلى سبتة، ثم مليلية، لكن المفارقة ليست في تكرار الزيارة، بل في اختلاف ردود الفعل. والأكثر استفزازاً أن يؤكد العاهل الإسباني أن المدينتين تدخلان ضمن أمن أوروبا، في رسالة سياسية واضحة بشأن موقعهما في الرؤية الإسبانية.
فأين ذهب غضب الأمس؟ وأين اختفت أحزاب الشعارات الوطنية؟
أين الأحزاب التي كانت ترفع صوتها دفاعاً عن الوحدة الترابية؟ وأين النخب التي لا تتردد في استحضار الوطنية في خطاباتها، لكنها تبدو اليوم غارقة في حسابات الانتخابات وتقاسم الحقائب الوزارية؟
هل أصبحت المناصب أهم من القضايا الوطنية؟ وهل باتت الأحزاب تتعامل مع السياسة باعتبارها سباقاً نحو الكراسي، لا مسؤولية في الدفاع عن انشغالات المواطنين؟
لا أحد يطالب بتصعيد غير محسوب مع إسبانيا، لكن الهدوء الدبلوماسي شيء، وغياب النقاش السياسي والشعبي شيء آخر. وإذا كانت مدريد تعلن مواقفها بوضوح، فمن حق المغاربة أن يسألوا ممثليهم: ما موقفكم؟ وما الذي فعلتموه لتبقى هذه القضية حاضرة في النقاش الوطني؟
إن المقارنة بين 2007 واليوم لا تستهدف استدعاء الماضي لمجرد الحنين إليه، بل تكشف مفارقة تستحق التوقف عندها: بالأمس كان الموقف المغربي واضحاً في الشارع والدبلوماسية، أما اليوم فيبدو صوت الأحزاب أقل حضوراً، في وقت تتطلب فيه القضية نقاشاً ومبادرات بمستوى أهميتها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضايا الوطنية ليس أن يعلن الطرف الآخر موقفه، بل أن ينشغل أصحاب القضية عن مساءلة أنفسهم.
فسبتة ومليلية ليستا مجرد عنوان عابر في نشرات الأخبار، والوطنية ليست شعاراً انتخابياً يُرفع عند الحاجة ثم يُطوى عند توزيع المناصب.
ويبقى السؤال الذي نضعه أمام الأحزاب المغربية، قبل غيرها:
إذا كانت الحقائب الوزارية تجد دائماً من يتفاوض بشأنها، فمن يترافع اليوم عن القضايا الوطنية التي لا تمنح أصحابها منصباً ولا حقيبة؟
✍️ تحليل : دوكيسا بريس

