لم تعد مأساة سقوط سيارة تقل أربعة أشخاص في مياه ميناء الجزيرة الخضراء، والتي انتهت بوفاة امرأتين مغربيتين، مجرد حادث يمكن اختزاله في خطأ سائق أو سوء رؤية أو لحظة ارتباك.
فحجم المأساة وطريقة وقوعها يفتحان ملفاً أكبر يتعلق بإجراءات السلامة وسرعة التدخل في واحد من أهم الموانئ الإسبانية وأكثرها ارتباطاً بحركة المسافرين بين أوروبا والمغرب.
وقع الحادث بعد منتصف ليلة 2 شتنبر، بعدما كانت السيارة قد تجاوزت نقطة المراقبة واتجهت نحو المنطقة المخصصة للمركبات قبل الصعود إلى السفينة، لكنها واصلت سيرها حتى حافة الرصيف وسقطت في البحر.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
كيف يمكن لسيارة أن تصل إلى حافة رصيف مينائي وتسقط مباشرة في المياه؟
أين كانت وسائل الحماية؟
من الطبيعي أن تظل بعض أجزاء أرصفة العبارات مفتوحة أثناء عمليات رسو السفن وصعود ونزول المركبات، لكن عندما لا تكون السفينة موجودة، يصبح من المشروع التساؤل عن وسائل الحماية البديلة.
أين الحاجز المتحرك الذي يمنع المركبات من الوصول إلى حافة الرصيف؟
وهل كانت الإضاءة والتشوير وإجراءات توجيه السيارات في تلك الليلة كافية؟
وهل ينبغي أن يكون خطأ واحد في القيادة، مهما كان سببه، كافياً لكي تجد سيارة نفسها في قاع البحر؟
هذه ليست أحكاماً مسبقة ولا اتهاماً لأي جهة، وإنما أسئلة مشروعة يفترض أن تجيب عنها التحقيقات.
والأكثر إثارة للأسئلة.. من نزل أولاً إلى الماء؟
من أكثر التفاصيل التي تستحق الوقوف عندها أن أول من بادر بالنزول إلى البحر لم يكن غواصاً تابعاً لفريق إنقاذ متخصص، بل عاملاً في شركة ملاحة يدعى وليد، كان يعمل بالقرب من مكان الحادث.
سمع صراخ الاستغاثة، فتوجه إلى المكان، ورأى السيارة تغرق، ولم يتردد في القفز إلى المياه للمساعدة.
وبحسب ما نشرته الصحافة الإسبانية، ساهم وليد في مساعدة الرجلين اللذين تمكنا من الخروج من السيارة، وحاول حتى الغوص باتجاه المركبة بحثاً عن الشخصين الآخرين، إلا أن العمق وضعف الرؤية حالا دون ذلك.
وفي الوقت نفسه شاركت الشرطة المينائية وأجهزة الطوارئ في عملية الإنقاذ، قبل وصول غواصي المجموعة الخاصة للأنشطة تحت المائية التابعة للحرس المدني GEAS، الذين انتشلوا المرأتين من داخل السيارة بعد وفاتهما.
وهنا يجب أن نكون منصفين: أجهزة الطوارئ تدخلت وشاركت عدة فرق في العملية.
لكن السؤال ليس إن كانت فرق الإنقاذ موجودة في إسبانيا أو وصلت في نهاية المطاف.
السؤال هو:
هل كانت داخل ميناء بهذا الحجم قدرة على التدخل تحت الماء خلال الدقائق الأولى الحاسمة؟
فالفرق بين الوصول بعد دقائق والتدخل خلال اللحظات الأولى قد يكون في بعض حوادث الغرق هو الفرق بين الحياة والموت.
ميناء بهذا الحجم لا يجوز أن يعتمد على الصدفة
ميناء الجزيرة الخضراء ليس ميناء صغيراً محدود الحركة، بل أحد أهم الموانئ الإسبانية وبوابة رئيسية لعبور مئات الآلاف من المسافرين والمركبات بين أوروبا والمغرب.
ومنشأة بهذه الأهمية مطالبة بالاستعداد ليس فقط لما يحدث يومياً، وإنما أيضاً لأسوأ السيناريوهات الممكنة.
فالسلامة لا تعني فقط مراقبة الجوازات وتنظيم طوابير السيارات وتوجيه المسافرين.
السلامة تعني أيضاً أن تكون هناك منظومة قادرة على التعامل فوراً مع سيارة تسقط في البحر، أو شخص يسقط من الرصيف، أو حريق، أو ركاب عالقين داخل مركبة تحت الماء.
وفي مثل هذه الحالات، لا تقاس فعالية منظومة الطوارئ فقط بعدد سيارات الإسعاف أو عناصر الإنقاذ التي تصل لاحقاً، وإنما أيضاً بما هو متوفر في عين المكان خلال الدقيقة الأولى من الكارثة.
حتى لو أخطأ السائق.. يبقى السؤال قائماً
قد تنتهي التحقيقات إلى أن السبب كان خطأ بشرياً، أو سوء رؤية، أو ارتباكاً في المسار، أو مجموعة من العوامل.
لكن حتى إذا ثبت أن السائق أخطأ، فإن ذلك لا يلغي السؤال الأساسي:
أليست وظيفة أنظمة السلامة أصلاً منع الخطأ البشري من التحول إلى كارثة قاتلة؟
الحواجز والتشوير والإنارة وأنظمة الإغلاق وفرق التدخل لا توجد لأن الإنسان لا يخطئ، وإنما تحديداً لأنه قد يخطئ.
لذلك لا ينبغي أن ينتهي التحقيق عند معرفة سبب سقوط السيارة فقط.
من حق الرأي العام أيضاً أن يعرف:
هل كانت إجراءات السلامة عند نقطة سقوط السيارة كافية؟
هل كانت هناك وسيلة مادية تمنع وصول المركبات إلى حافة الرصيف عندما لا تكون السفينة راسية؟
كم استغرق وصول الغواصين المتخصصين إلى السيارة؟
وهل يمكن تقليص زمن التدخل مستقبلاً؟
هذه الأسئلة لا تعيد الضحيتين إلى الحياة، لكنها قد تمنع تكرار المأساة مع أسرة أخرى.
رحم الله الضحيتين، وخالص التعازي لأسرتهما، مع تمنياتنا بالشفاء للمصابين.
أما العامل وليد، الذي قفز إلى البحر لإنقاذ أشخاص لا يعرفهم، فإن شجاعته تستحق كل التقدير.
لكن بطولته تترك خلفها سؤالاً ينبغي ألا يضيع بعد انتهاء ضجيج الحادث:
ماذا كان سيحدث لو لم يكن وليد موجوداً تلك الليلة
✍️دوكيسا بريس

