من حق جماعة العدل والإحسان أن ترفض التطبيع، ومن حقها أن تنتقد الاتفاقات التي تبرمها الدولة وأن تعبّر عن موقفها بالوسائل المشروعة. لكن عندما تنتقل الجماعة من التعبير عن رأيها إلى الحديث باسم الشعب المغربي، وتقديم موقفها وكأنه موقف المغاربة جميعاً، يصبح السؤال مشروعاً: من فوّضها للحديث باسم شعب بأكمله؟
القضية الفلسطينية ليست ملكاً لجماعة ولا لحزب ولا لتيار سياسي بعينه. والمغرب لم ينتظر العدل والإحسان أو غيرها حتى يحدد موقفه من فلسطين. فعلاقة المغرب بالقضية الفلسطينية تمتد لعقود، والملك محمد السادس يرأس لجنة القدس، فيما تواصل وكالة بيت مال القدس الشريف تنفيذ برامج ومشاريع ميدانية لفائدة المقدسيين في مجالات الصحة والتعليم والمساعدات الاجتماعية ودعم الفئات الهشة.
وهنا يظهر الفرق بين الشعارات والعمل على أرض الواقع. فمن السهل إصدار بيانات التنديد ورفع الشعارات، لكن خدمة القضية الفلسطينية لا تقاس فقط بحدة الخطاب، وإنما أيضاً بما يقدم للفلسطينيين فعلياً.
ومع ذلك، هناك حقيقة ينبغي ألا تضيع وسط المزايدات: فلسطين قضية عادلة ندعم حقوق شعبها، لكن المغرب وطن، وعندما يتعلق الأمر بسيادته ووحدته الترابية ومصالحه العليا، فإن الوطن يأتي أولاً وفوق كل اعتبار.
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالاً آخر على من يريد جعل فلسطين معياراً للحكم على السياسة الخارجية المغربية: ماذا عن موقف الجانب الفلسطيني نفسه من القضية الوطنية الأولى للمغاربة؟
فالموقف الفلسطيني الرسمي المعاصر لم يصل إلى حد الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية على الصحراء، وظل أقرب إلى الحياد وعدم الانحياز في هذا النزاع. وهذا حق للفلسطينيين في تحديد مواقفهم الدبلوماسية وفق ما يعتبرونه مصالحهم، لكنه في المقابل يجعل من غير المنطقي مطالبة المغرب بأن يجعل سياسته الخارجية خاضعة حصراً لمواقف الآخرين أو أولوياتهم.
إذا كانت فلسطين تضع قضيتها ومصالح شعبها أولاً، فمن الطبيعي أن يضع المغرب بدوره وحدته الترابية وسيادته ومصالح شعبه أولاً.
ولا يعني ذلك التخلي عن الفلسطينيين أو عن حقوقهم المشروعة. بل يعني ببساطة أن التضامن مع شعب آخر لا يمكن أن يتحول إلى تنازل عن المصالح الوطنية للمغرب.
ومن هنا نعود إلى جوهر النقاش مع جماعة العدل والإحسان. الجماعة من حقها أن يكون لها تصورها السياسي والديني، وأن تدافع عنه، وأن تعارض سياسات الحكومة والدولة. لكنها ليست الحكومة، وليست الدولة، ولا تملك تفويضاً شعبياً يسمح لها باحتكار الحديث باسم المغاربة أو تحديد السياسة الخارجية للمملكة.
كما أن المغرب دولة لها مؤسساتها الدستورية التي تحدد الاختصاصات والمسؤوليات. فالملك هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة، فيما تمارس الحكومة اختصاصاتها التنفيذية وفق الدستور.
والأمر يصبح أكثر وضوحاً عندما يتعلق بالشأن الديني. فالملك، وفق الدستور المغربي، هو أمير المؤمنين، والصلاحيات الدينية المرتبطة بإمارة المؤمنين مخولة له دستورياً. وبالتالي لا يمكن لأي جماعة، مهما كان مشروعها الديني أو السياسي، أن تنصب نفسها مرجعية دينية بديلة للمغاربة أو أن تجعل تصورها الخاص ملزماً للمجتمع.
ومن خلال تجربة شخصية ومعايشة لبعض أفراد جماعة العدل والإحسان في الخارج، لمست حضوراً واضحاً لمفاهيم «المنهاج النبوي» و«الخلافة» في خطاب بعض المنتمين إليها. وهذه شهادة شخصية أتحمل مسؤوليتها، لكن الأهم بالنسبة إلينا ليس ما يقوله هذا العضو أو ذاك، وإنما المبدأ نفسه: أي تصور سياسي أو ديني يبقى مشروع أصحابه، ولا يحق فرضه على المغاربة خارج المؤسسات والقواعد الدستورية للبلاد.
كما يحق لنا التساؤل عن الانتقائية في رفع الصوت دفاعاً عن القضايا. فعندما يتعلق الأمر بفلسطين والتطبيع، نسمع خطاباً شديداً يتحدث باسم المغاربة جميعاً، بينما تستحق القضايا المرتبطة مباشرة بالمصالح الوطنية والوحدة الترابية للمملكة الحضور نفسه والوضوح نفسه.
لسنا ضد فلسطين، ولسنا ضد حق أي مواطن أو جماعة في رفض التطبيع. الاختلاف في السياسة الخارجية حق مشروع، والنقاش حول الاتفاقيات الدولية أمر طبيعي في أي مجتمع.
لكن ما نرفضه هو احتكار الوطنية أو الدين أو القضية الفلسطينية، ثم استخدام ذلك لمنح النفس حق الحديث باسم شعب بأكمله.
المغاربة ليسوا كتلة فكرية واحدة، ولا يحتاجون إلى وصاية سياسية أو دينية من أي جماعة. والدولة لا تُدار بالشعارات، وإنما بالمؤسسات والاختصاصات والمسؤولية والمصلحة الوطنية.
فلسطين لها قضيتها الوطنية التي تدافع عنها، والمغرب له قضيته الوطنية ومصالحه العليا التي يدافع عنها. واحترام الأولى لا يعني أبداً التفريط في الثانية.
ولهذا نقولها بوضوح:
نساند الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ونقدر كل عمل حقيقي يقدم له، لكن عندما يتعلق الأمر بسيادة المغرب ووحدته الترابية وأمنه ومصالحه العليا، فالوطن أولاً وفوق كل اعتبار
✍️ دوكيسا بريس
الخبر بعمق.. والصورة بصدق

