في زمنٍ كانت فيه كرة القدم تُلعب بالقلب قبل القدم، وتُصنع النجومية في الأزقة قبل الملاعب، بزغ اسمٌ صغيرٌ في حجمه… كبيرٌ في موهبته، اسمه الحاج زهير.
لم يكن مجرد طفلٍ يركض خلف الكرة، بل كان ظاهرة حقيقية في دوريات العرائش، خاصة في ملعب باب البحر، معقل تاريخ الكرة العرائشية، حيث كانت الجماهير تتجمع لمشاهدته، لا لمتابعة المباراة فقط، بل للاستمتاع بكل ما هو جميل. كان حضوره وحده كافياً ليمنح المباريات نكهة خاصة، وكأن الجميع جاء ليرى شيئاً استثنائياً يولد أمام أعينهم.
وقد صُقلت موهبته بمعية مؤطرين محنكين، أمثال مصطفى النجار الذي كانت له أفضال كبيرة على عدة لاعبين، دون أن ننسى مصطفى الزيتوني الغني عن التعريف، الذي كانت لمسته حاضرة في مسار الحاج زهير، شأنه شأن مجموعة كبيرة من لاعبي المدينة.
منذ صغره، أظهر الحاج زهير مهارات تفوق سنه بكثير؛ لم تكن لمساته عادية، ولا قراءته للعب تشبه أقرانه. كان يلعب بثقة الكبار، وذكاء المحترفين، حتى أصبح حديث المدينة وموضع إعجاب كل من تابع الكرة في تلك الفترة.
محطته الأبرز كانت مع منتخب فتيان العرائش، حيث ساهم في بلوغ الفريق المربع الذهبي لبطولة المغرب بالرباط سنة 1988، وهو إنجاز ظل محفوراً في ذاكرة المدينة. هناك، لم يكن مجرد لاعب ضمن المجموعة، بل كان أحد أبرز الأسماء التي صنعت الفارق، رغم صغر سنه.
موهبته الاستثنائية فتحت له أبواباً لم تُفتح لكثيرين في عمره، ليجد نفسه سريعاً ضمن أجواء الكبار، حاملاً قميص شباب العرائش، ومجاوراً أسماء وازنة في الكرة المحلية آنذاك، من قبيل مصطفى الزيتوني و عبد المجيد محامد… والقائمة طويلة.
مشهد طفلٍ وسط نجوم لم يكن عادياً، بل كان دليلاً على أن الموهبة الحقيقية لا تعترف بالعمر.
ولعل من الطرائف التي يرويها الحاج زهير عن تلك الفترة، أنه نظراً لصغر سنه وبنيته الجسدية، كان يُطلب منه أحياناً أن يحضر قميصه الخاص معه إلى المباريات، لأن الأقمصة المتوفرة لدى الفريق كانت جميعها كبيرة المقاس عليه. تفاصيل بسيطة، لكنها تختزل حجم التحدي الذي كان يعيشه، وتبرز كيف كان طفلاً صغيراً في الجسد… كبيراً في العطاء داخل الملعب.
كان الحاج زهير أصغر لاعب يقتحم عالم الكبار، لكنه لم يكن الأصغر تأثيراً، بل كان رقماً صعباً، يفرض نفسه بأسلوبه، ويكسب احترام الجميع داخل وخارج الملعب.
لكن، كما تبدأ الحكايات الجميلة، تأخذ أحياناً منعطفاً آخر…
غادر الحاج زهير أرض الوطن نحو الديار الإسبانية، حيث استقر رفقة أسرته، حاملاً معه حقيبة مليئة بالذكريات، والصور، واللحظات التي لا تُنسى. هناك، ابتعد عن الأضواء، لكنه لم يبتعد عن قلوب من عرفوه.
اليوم، قد لا يعرفه الجيل الجديد، لكن اسمه لا يزال يتردد في مجالس العارفين بكرة العرائش، كواحد من أولئك الذين مرّوا بسرعة، لكن تركوا أثراً عميقاً.
الحاج زهير… ليس مجرد لاعب مرّ من هنا، بل قصة موهبة اختزلت زمناً جميلاً، وذكّرت الجميع أن العرائش كانت، ولا تزال، أرضاً تُنجب النجوم.
سؤال للنقاش:
هل تتذكرون أسماء أخرى من مواهب العرائش التي لم تأخذ حقها إعلامياً رغم إمكانياتها الكبيرة؟
✍️ دوكيسا بريس

