بعد أن خفت صوت المجاديف الرومانية، وانسحبت الرايات الإمبراطورية من ضفاف ليكسوس، لم يصمت البحر…
بل انتظر فقط من يفهم لغته من جديد.
مع الفتح الإسلامي، لم تعد العرائش مجرد بقايا ميناء قديم، بل صارت نقطة عبور بين ضفتين، وذاكرة بحرية تتجدّد بروح جديدة. البحر هنا لم يكن ساحة حرب، بل طريقًا للعلم، وللتجارة، وللصلة بين الأندلس والمغرب.
في هذا الزمن، لم تكن السفن تُبحر عشوائيًا، بل وفق معرفة دقيقة بالرياح والتيارات، وبمواسم المدّ والجزر.
كان البحّارة المسلمون يقرأون البحر كما يُقرأ كتاب، يعرفون متى يهدأ ومتى يغضب، ومتى يُفتح الطريق ومتى يُغلق.
العرائش، بحكم موقعها، تحوّلت إلى محطة طبيعية للسفن القادمة من الأندلس، وإلى نقطة مراقبة بحرية تحمي السواحل من الغزوات المفاجئة. لم يكن البحر آنذاك مجرد فضاء مفتوح، بل كان حدودًا استراتيجية، تُرسم فوق مياهه ملامح القوة والسيادة.
ومع تعاقب الدول الإسلامية، من الأدارسة إلى المرابطين ثم الموحدين، تعمّق الارتباط بين البحر والمدينة.
الصيد لم يعد نشاطًا بسيطًا، بل موردًا منظمًا، والأسماك لم تعد فقط غذاءً، بل سلعة تُنقل وتُتاجر بها عبر الموانئ.
وفي زمن السلاطين، صار البحر عينًا ساهرة، تُراقب القادم من الشمال، وتُحصّن السواحل من أطماع القوى الأوروبية التي بدأت تتحرك في الأفق.
هنا، لم يكن البحر مجرد مساحة زرقاء…
كان جدارًا دفاعيًا، وشريان حياة، ومرآة تعكس قوة الدولة أو ضعفها.
ومع مرور القرون، ظل البحر يحتفظ بذاكرته، ينتقل من يدٍ إلى يد، ومن حضارة إلى أخرى، دون أن يفقد هويته الأولى:
أنه بحر لا يُروّض، لكنه يمنح أسراره لمن يحترمه.
وفي الحلقة القادمة، سنصل إلى مرحلة مختلفة…
مرحلة عاد فيها البحر ليكون مطمعًا، لا شريكًا،
حين ظهرت السفن الأجنبية في الأفق،
وحين بدأت العرائش تدخل زمنًا جديدًا من الصراع البحري.
يتبع… في الحلقة القادمة من “صوت البحر”.
