حين تتحول الرياضة من فضاء للتنافس الشريف وصناعة الأمل إلى ساحة للصراعات والاتهامات، يصبح الصمت تواطؤاً مع التراجع، ويصبح فتح باب الحقيقة مسؤولية لا تحتمل التأجيل.
لم يعد الوضع الرياضي بمدينة العرائش يبعث على القلق فحسب، بل أصبح يطرح أسئلة ثقيلة حول واقع التسيير الرياضي، ومستقبل الأندية المحلية، ومصير تاريخ رياضي كانت المدينة تتباهى به بين مدن الشمال المغربي.
فقد أثار تصريح منسوب إلى الرئيس السابق لنادي شباب العرائش، الذي يشغل حالياً منصب أمين المال عقب الجمع الأخير، موجة من التساؤلات في الأوساط المحلية، بعدما أدلى، خلال حديث مع إحدى الصفحات المحلية، باتهامات خطيرة طالت بعض الفاعلين السياسيين بالمدينة، وفق ما ورد في التصريح المتداول. وهي اتهامات تتعلق، بحسب أقواله، بتدبير مبالغ مالية وصفها بالخيالية، وبالمسؤولية عن الوضع الذي وصل إليه الفريق، فضلاً عن حديثه عن محاربته والتحريض ضده في الشارع.
إنها تصريحات، إن تأكدت تفاصيلها، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد سجال عابر بين أشخاص، بل تستدعي التوضيح والتحقق، ووضع الرأي العام أمام حقيقة ما يجري داخل واحد من الأندية التي تحمل اسم العرائش وتاريخها الرياضي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من انتصر في هذا الصراع، ولا من خسر جولة من جولاته، وإنما: أين هي الحقيقة؟ ومن يتحمل المسؤولية عن الوضع الذي آل إليه شباب العرائش؟ وهل ستبقى الاتهامات تتقاذفها التصريحات والمنشورات، بينما يظل الفريق وأنصاره يدفعون ثمن هذا المشهد؟
أين دور الجهات المسؤولة؟
عندما تخرج إلى العلن اتهامات بهذا الحجم، وتتعلق بتدبير الأموال وبمصالح فريق رياضي يمثل مدينة بأكملها، فإن انتظار توضيحات واضحة يصبح أمراً مشروعاً، كما يصبح من حق الجمهور المطالبة بالشفافية والمساءلة، كلٌّ في حدود اختصاصه.
وهنا يبرز السؤال عن دور الجهات المختصة والسلطات المحلية، وعن دور الهيئات الرياضية المعنية في مراقبة احترام القوانين والأنظمة، وعن مدى الحاجة إلى افتحاص مالي وإداري، إذا استدعت المعطيات ذلك، حتى تتضح الصورة بعيداً عن الحسابات الشخصية والتجاذبات السياسية.
ليس المطلوب إصدار أحكام مسبقة، ولا إدانة أي طرف بمجرد تصريح، بل المطلوب هو التحقق من الوقائع، والاستماع إلى جميع الأطراف، والاحتكام إلى الوثائق والقانون. فخطورة الاتهام تقتضي جدية التحقق، وكرامة الأشخاص تقتضي عدم تحويل الادعاءات إلى حقائق ثابتة قبل إثباتها.
أما إذا كانت هناك اختلالات فعلية، فإن معالجتها لا ينبغي أن تخضع لمنطق النفوذ أو الصراع، بل لمنطق المسؤولية والمحاسبة وفق المساطر القانونية.
من مدينة للرياضة إلى مدينة تتفرج على تراجعها
ما يؤلم في هذا المشهد ليس وضع شباب العرائش وحده، بل الصورة التي أصبح يعكسها عن واقع الرياضة في مدينة عُرفت، لعقود، بتعدد مواهبها وتنوع أنشطتها الرياضية.
العرائش التي أنجبت عشاق كرة القدم، واحتضنت كرة السلة، وسباقات السيارات، وركوب الخيل بمنطقة لايبيكا، وسباقات الدراجات، والسباحة، والعدو الريفي، وغيرها من الأنشطة، لم تكن مجرد مدينة تمارس الرياضة، بل كانت فضاءً تتشكل فيه الأحلام، وتُصقل فيه المواهب، ويجد فيه الشباب متنفساً وفرصة لإثبات الذات.
فكيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحديث عن أزمات التسيير والصراعات والاتهامات يزاحم الحديث عن النتائج والتكوين والبنيات التحتية والمواهب الصاعدة؟
وأين ذهبت تلك الروح التي جعلت الرياضة جزءاً من هوية العرائش وذاكرتها الجماعية؟
لا يمكن اختزال تراجع الرياضة في شخص واحد، أو تحميل مسؤولية واقع معقد لطرف بعينه دون أدلة. لكن من المشروع التساؤل عن حصيلة سنوات من التدبير، وعن أسباب تعثر الأندية، وعن مدى قدرة المسؤولين الحاليين والسابقين على تقديم إجابات مقنعة لجمهور لم يعد يريد الوعود، بل يريد نتائج ملموسة.
شباب العرائش ليس ملكاً لأحد
يجب أن يكون واضحاً أن نادي شباب العرائش ليس ملكاً لشخص، ولا امتداداً لحسابات سياسية، ولا ساحة لتصفية الخلافات. إنه نادٍ يحمل اسم المدينة، وينتمي إلى جمهورها، ويستمد قيمته من تاريخه ومن اللاعبين الذين يرتدون قميصه ومن الأطفال الذين يحلمون يوماً بالدفاع عن ألوانه.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خلاف حول التسيير ينبغي أن يُحسم داخل المؤسسات وبالاحتكام إلى القوانين، لا عبر الحملات المتبادلة أو تعبئة الشارع أو تبادل الاتهامات دون أدلة معلنة.
كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد مغادرة منصب، ولا تبدأ بمجرد توليه. فكل من تولى مسؤولية التدبير مطالب بتقديم حصيلته، وتوضيح أوجه صرف الموارد التي وُضعت تحت تصرفه، وفق ما تفرضه القوانين والأنظمة المعمول بها.
وإذا كان هناك من يتهم أطرافاً معينة بالتسبب في الأزمة، فإن الرد الأقوى ليس الدخول في سجال جديد، وإنما تقديم الوثائق والمعطيات التي تسمح للرأي العام بفهم حقيقة ما وقع.
الرياضة مسؤولية جماعية وليست غنيمة
إن ما تحتاجه العرائش اليوم ليس مزيداً من تبادل الاتهامات، بل وقفة صريحة ومسؤولة تعيد الاعتبار للرياضة المحلية.
تحتاج إلى تقييم موضوعي لوضع الأندية، وإلى حكامة جيدة في التدبير، وإلى شفافية في الموارد والمصاريف، وإلى دعم حقيقي للفئات الصغرى، وإلى رؤية تعيد بناء الثقة بين المسيرين والجمهور والفاعلين المحليين.
وتحتاج، قبل كل شيء، إلى وضع مصلحة المدينة فوق كل اعتبار، لأن الخاسر الأكبر في صراعات الكبار ليس بالضرورة الطرف الذي يغادر منصبه، بل الشاب الذي يجد نفسه أمام مستقبل رياضي غامض، والطفل الذي يفقد الأمل في حمل قميص فريق مدينته، والجمهور الذي يرى تاريخه يتراجع أمام عينيه.
أليس في العرائش من يقول: اللهم إن هذا منكر؟
إن السؤال ليس استفزازاً لأحد، بل تعبير عن مرارة شريحة من أبناء المدينة وهم يشاهدون مشهداً رياضياً لا يليق بتاريخ العرائش ولا بطموحات شبابها.
أليس من حق سكان العرائش أن يعرفوا أين تسير رياضتهم؟ ومن المسؤول عن أزماتها؟ وما الذي تحقق من الوعود التي قُدمت؟ وهل توجد إرادة حقيقية لإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل أن يتسع الشرخ أكثر؟
إن المثل القائل: «إذا أُسندت الأمور إلى غير أهلها فانتظر الساعة» يستحضره كثيرون كلما رأوا مؤسسة تتراجع، أو مشروعاً يتعثر، أو مسؤولية تتحول من خدمة الصالح العام إلى مصدر للصراعات. غير أن العبرة ليست في ترديد المثل، بل في استخلاص الدروس منه، وإسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والنزاهة، وربطها بالمحاسبة.
العرائش لا تحتاج إلى أبطال في التصريحات، بل إلى رجال ونساء يصنعون الإنجازات. ولا تحتاج إلى من ينتصر في معركة الكلام، بل إلى من ينتصر للرياضة وللشباب وللمصلحة العامة.
وإذا كانت التصريحات الأخيرة قد فتحت جرحاً ظل مستوراً، فإن الواجب اليوم هو ألا يُغلق هذا الملف بالصمت، وألا يتحول إلى محاكمة شعبية لأي طرف، بل إلى مناسبة لكشف الحقيقة كاملة، بالوثائق، وبالشفافية، وباحترام القانون.
فالتاريخ الرياضي للعرائش أكبر من الأشخاص، واسم شباب العرائش أكبر من الخلافات، ومستقبل شباب المدينة أغلى من أن يُترك رهينة للصراعات.
فمن يملك الشجاعة لتقديم الحقيقة؟ ومن يملك الإرادة لإعادة الرياضة في العرائش إلى المكانة التي تستحقها؟
ذلك ما ينتظره أبناء المدينة، لا مزيداً من الكلام، بل إجابات واضحة وأفعالاً تعيد الثقة، وتحفظ كرامة المؤسسات، وتضع حداً لمسلسل التراجع
✍️ بقلم: هيئة تحرير دوكيسا بريس
«حين تصمت الحقيقة، تتكلم الأسئلة… وحين تتراجع الرياضة، يصبح القلم مسؤولية|

