في الوقت الذي لا تزال فيه سبتة تعيش على وقع أجواء مشحونة، وتتصدر أخبار الهجرة والمغاربة جزءاً كبيراً من النقاش السياسي والإعلامي، جاءت جريمة جديدة لتضع المشهد أمام مفارقة تستحق التوقف عندها.
فقد أفادت صحيفة El Faro de Ceuta، اليوم الخميس 3 شتنبر، بمقتل مواطن مغربي داخل منزل بمنطقة Poblado Regulares، فيما أوقفت الشرطة الوطنية الإسبانية امرأة من سبتة على خلفية القضية، وباشرت تحقيقاتها لتحديد ملابسات الحادث والبحث عن السلاح الأبيض الذي يُشتبه في استعماله.
وبما أن التحقيق لا يزال جارياً، فإن المسؤولية الصحفية تقتضي عدم الذهاب أبعد مما أعلنته المصادر المتاحة، وترك تحديد الدوافع والمسؤوليات النهائية للقضاء.
واقعة تأتي في لحظة استثنائية
لو حدثت هذه الجريمة في ظرف آخر، لربما بقيت في حدود صفحات الحوادث. لكن توقيتها يجعلها تحمل دلالة مختلفة.
فسبتة تعيش منذ الأحداث الأخيرة حالة استقطاب واضحة، وأصبحت قضايا الهجرة والأمن والعلاقة مع المغرب حاضرة بقوة في الشارع والإعلام والسياسة الإسبانية.
وخلال الأيام الماضية، شاهدنا كيف يمكن لجريمة يكون أحد أطرافها مغربياً أن تتجاوز حدودها الجنائية بسرعة، لتتحول إلى مادة للنقاش حول الهجرة والجنسية والأمن.
واليوم تأتي واقعة يكون فيها الضحية مغربياً.
وهنا تظهر المفارقة.
فالسكين الذي يقتل لا يسأل عن جواز سفر صاحبه، والضحية لا تصبح أقل إنسانية أو أكثر استحقاقاً للتضامن بسبب الجنسية التي تحملها.
اليوم الضحية مغربي
هذه الجريمة لا ينبغي بدورها أن تستخدم لقلب خطاب الكراهية في الاتجاه المعاكس، ولا لتحميل سكان سبتة أو المجتمع الإسباني مسؤولية فعل فردي.
لكنها تقدم درساً مهماً في لحظة أصبح فيها الحديث عن الجنسيات يطغى أحياناً على الحديث عن الجريمة نفسها:
مرة يكون الجاني مغربياً، ومرة يكون الضحية مغربياً. وفي الحالتين تبقى الجريمة جريمة، والمسؤول عنها شخص وليس شعباً.
وهذا بالتحديد ما ينبغي ألا ننساه وسط الضجيج السياسي الذي تعيشه إسبانيا وسبتة على وجه الخصوص.
سبتة أمام اختبار أصعب من حادثة عابرة
المشكلة اليوم لم تعد في حادث منفرد، وإنما في تراكم الأحداث داخل مناخ اجتماعي متوتر، حيث يمكن لأي واقعة جديدة أن تصبح شرارة لنقاش أكبر بكثير من حجمها الجنائي.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلام والسياسة معاً.
ليس المطلوب إخفاء الجرائم خوفاً من التوتر، كما ليس المطلوب تضخيمها بحثاً عن المشاهدات أو الأصوات الانتخابية. المطلوب ببساطة هو إخبار الناس بالحقيقة، وترك التحقيق للقضاء، وعدم تحويل هوية الجاني أو الضحية إلى عنوان لمحاكمة جماعية.
والسؤال يبقى مطروحاً
بعد كل ما عاشته سبتة خلال الأسابيع الأخيرة، ربما تقدم جريمة اليوم، رغم بشاعتها، مناسبة لإعادة ترتيب السؤال.
ليس: من أين جاء الجاني؟
ولا: ما جنسية الضحية؟
بل: كيف نحمي الجميع من العنف، وكيف نمنع أن تتحول الجريمة الفردية إلى مواجهة بين المجتمعات؟
لأن من يطالب بالعدالة عندما يكون الضحية إسبانياً، عليه أن يطالب بها أيضاً عندما يكون الضحية مغربياً.
ومن يرفض تعميم جريمة شخص على الإسبان، عليه أن يرفض المبدأ نفسه عندما يكون مرتكب الجريمة مغربياً.
العدالة لا تحتاج إلى جنسية، والدم الإنساني لا يتغير لونه عند الحدود
✍️دوكيسا بريس

