في مشهد يتكرر كثيراً في كواليس “بيزنس” العقارات، نجد أسماء عاملات منزليات أو سائقين بسيطين يتصدرون ملكية فيلات وقصور وعقارات بمليارات السنتيمات. هذا الفعل، الذي يبدو في ظاهره “ثراءً فجائياً” لأشخاص بسطاء، ليس في الحقيقة سوى عملية “تستر قانوني” يمارسها مسؤولون اختاروا الاختباء خلف “رجال قش” لإخفاء ثروات لا يستطيعون تبريرها أمام منطق “من أين لك هذا؟”.
الهروب إلى الواجهات: لماذا العاملات؟
يلجأ المسؤول لتقييد ممتلكاته باسم عاملته ليس حباً فيها، بل لأنها تمثل “المنطقة العمياء” في الرقابة. فهي شخص لا يخضع لإقرار الذمة المالية، ولا تثير تحركاتها العقارية شكوكاً فورية في منظومة تعاني من بطء التنسيق الرقمي بين الإدارات. هذا السلوك يندرج قانونياً ضمن غسل الأموال وإخفاء معالم الثراء غير المشروع، لكنه يظل “جريمة كاملة” في ظل غياب الترسانة القانونية الرادعة.
“تضارب المصالح”: الجدار الذي يحمي المفسدين
إن العائق الأكبر الذي يمنع الدولة من التحرك بصرامة ليس نقصاً في الكفاءة الأمنية، بل هو معضلة “تضارب المصالح”. فعندما يتداخل المال بالسلطة، وتصبح مراكز القرار هي نفسها مراكز الاستثمار، نجد أنفسنا أمام وضع يكون فيه “الخصم هو الحكم”.
سحب الحكومة لمشروع قانون “الإثراء غير المشروع” لم يكن مجرد إجراء تقني، بل كان رسالة سياسية مفادها أن المنظومة ليست مستعدة بعد لرفع الغطاء عن المستفيدين الكبار. فإقرار قانون يُلزم المسؤول بتبرير ثروته يعني ببساطة “انتحاراً سياسياً” لطبقة عريضة استغلت مناصبها لمراكمة الأموال بعيداً عن الرقابة.
هل المحاكمات الحالية “زلزال” أم سحابة صيف؟
رغم ما نشهده اليوم من سقوط بعض “الحيتان الكبيرة” في قبضة القضاء، إلا أن القراءة المتأنية توحي بأنها محاكمات لا تمس جوهر المنظومة. فالمحاسبة لا تزال تفتقر إلى “النسقية”؛ أي أنها تطال الأفراد الذين سقط عنهم “الغطاء” أو الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء، لكنها لا تطال “السيستم” الذي يسمح لمسؤول أصلاً بتسجيل عقار باسم خادمته دون أن يدق ناقوس الخطر في الحين.
الخاتمة: لا إصلاح بدون “تفكيك الارتباط”
إن إرجاع الأمور إلى نصابها يتطلب ما هو أكثر من مجرد نصوص قانونية باردة؛ يتطلب زلزالاً سياسياً يفك الارتباط العضوي بين تدبير الشأن العام وتحقيق المصالح الخاصة.
بدون قانون صريح ومفعل لـ “من أين لك هذا؟”، وبدون رقمنة شاملة تكشف “المستفيد الحقيقي” من وراء العقود، سيبقى الفساد يطور آليات دفاعه، وستبقى تلك العاملات البسيطات “مالكات على الورق” لثروات منهوبة، في انتظار إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق مصالح “الواجهات” ومن يقف خلفها.
✍️بقلم مدير تحرير دوكيسا بريس
رضى ألمانيا

