في الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الرسمية عن حماية المخزون البحري وضرورة الحفاظ على التوازن البيئي، يعيش الآلاف من البحارة اليوم واقعاً مختلفاً تماماً. واقع قاسٍ يكشف أن المشكلة لم تعد فقط في البحر، بل في الطريقة التي تُدار بها فترات التوقف، وكيف تُفرض القرارات دون أي اعتبار للإنسان الذي يعيش من الصيد. فالمشهد في الموانئ يوحي بتغير خطير: قوارب متوقفة منذ شهور، شباك مطوية كأنها فقدت الأمل، وحركة اقتصادية كانت تشكل نبض الساحل لم تعد تُسمع. القطاع يبدو وكأنه دخل “راحة بيولوجية دائمة”، أما البحّار فدخل مرحلة اختناق اقتصادي واجتماعي لا يلتفت إليها أحد.
المنع شمل أصنافاً أساسية تشكل العمود الفقري للموسم، من التونة إلى الأخطبوط والصدفيات، فيما المخزون الساحلي يعاني بدوره من تراجع مقلق. القرارات تتوالى، لكن لا أحد يشرح للمهنيين أسباب توقيفات طويلة تمتد أحياناً لنصف العام، ولا يرافقها أي برنامج للتخفيف من آثارها. النتيجة هي فراغ مرعب في الموانئ، وصيادون لا يجدون ما يعيلون به أسرهم، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة بلا رحمة.
ما يثير الاستغراب هو غياب أي رؤية اجتماعية. كيف يُطلب من البحّار احترام الراحة البيولوجية وحماية البحر، في حين أنه لا يتلقى درهماً واحداً لتعويض تلك الفترة، ولا يُمنح بديلاً أو دعماً يضمن الحد الأدنى من الكرامة؟ الصيد البحري قطاع وطني مهم، بمداخيل كبيرة وموانئ نشيطة، ورغم ذلك لا يوجد صندوق تعويض واحد يضمن للمهنيين دخلاً خلال التوقفات المفروضة عليهم. هذا الغياب لا يبدو مجرد نقص في الإجراءات، بل خللاً بنيوياً يعكس أن البعد الاجتماعي غير حاضر في حسابات الجهات المكلفة بالتنظيم.
الأزمة الحقيقية اليوم ليست بيولوجية فقط، بل أزمة ثقة بين القواعد المهنية والقرارات التي تأتي من فوق. البحّارة يشعرون أن أصواتهم لا تُسمع، وأن تنظيم القطاع يتم دون استشارتهم، وأنهم يُتركون لمواجهة الواقع وحدهم. يتحدث كثيرون عن قرارات تُتخذ بطريقة تقنية بحتة، لكنها تتجاهل أثراً اجتماعياً مباشراً يمس آلاف الأسر التي تعتمد على الصيد كمورد وحيد. فترات التوقف قد تساعد في حماية البحر، لكنها تدمّر حياة من يعيشون على ضفافه.
النتيجة أن المهنة أصبحت تنزف بصمت. الموانئ فقدت حركتها اليومية التي كانت تشكل جزءاً من الاقتصاد الوطني، والشباب لم يعد يرى في البحر طريقاً للمستقبل، وديون البحارة تتضاعف، والهجرة من المهنة أصبحت خياراً مريراً لكنه متزايد. وإذا استمرت الأمور على هذا المنوال، فإن الصيد التقليدي ـ وهو الركيزة الأولى للأمن الغذائي البحري ـ قد يدخل مرحلة انهيار يصعب إصلاحها.
المطلوب اليوم ليس مجرد قرارات بيولوجية جديدة، بل إعادة صياغة طريقة التفكير في القطاع. يجب وضع الإنسان في قلب النقاش، وليس السمك فقط. فنجاح أي برنامج بيئي مرتبط بوجود برنامج اجتماعي موازٍ، يحمي البحّار أثناء الراحة، ويحفظ كرامته، ويجعله شريكاً حقيقياً في حماية البحر لا ضحية لقراراته. إنشاء صندوق وطني للتعويض لم يعد مطلباً مهنياً، بل ضرورة وطنية إذا أراد المغرب الحفاظ على قطاع يُشغّل آلاف الأسر ويمتد تأثيره إلى الاقتصاد، والتجارة، والغذاء، والاستقرار الاجتماعي.
إن البحر يحتاج إلى الراحة، نعم. لكن البحّار يحتاج إلى الحياة. وبين الاستدامة البيئية والاستدامة الاجتماعية يجب أن يكون هناك جسر واضح، عادل، ومتوازن. أما اليوم، فالمسافة بينهما تتسع، والقطاع يدفع الثمن. وفي غياب تدخل عاجل يعيد التوازن، فإن المستقبل قد يحمل ما هو أخطر من مجرد مواسم ضعيفة؛ قد يحمل فراغاً لا يملؤه البحر وحده مهما استراح.
