قبل أن تُعرَف العرائش باسمها الحالي، وقبل أن تُرسَم على الخرائط، كان البحر قد سبق الجميع إليها.
كان أول من دلّ على المكان، وأول من منح المدينة معناها ووظيفتها. هنا، عند مصب واد اللوكوس، لم يكن البحر حدًّا جغرافيًا، بل طريقًا مفتوحًا، وذاكرةً متحركة، وسببًا في أن تُولد مدينة وتُعاد كتابتها مرات لا تُحصى.
الفينيقيون لم يأتوا إلى ليكسوس صدفة.
جاؤوا لأنهم كانوا يعرفون البحر كما يُعرَف البيت، ويبحثون عن مرافئ طبيعية تحمي السفن وتربط التجارة بين شرق المتوسط وغربه. في هذا الموقع، وجدوا ما لم يجدوه بسهولة في غيره: مصب نهر، تيارات قابلة للتوقّع، ومياه قادرة على احتضان السفن الخشبية الثقيلة دون أن تبتلعها. كانت الملاحة آنذاك علمًا تجريبيًا، تُقاس بالنجوم، بالرياح، وبحدس البحّارة، وكانت ليكسوس محطة ذكية في شبكة بحرية تمتد من صور وصيدا إلى مضيق جبل طارق.
ومع الرومان، تغيّر كل شيء… واتسع كل شيء.
لم تعد ليكسوس مجرد محطة عبور، بل أصبحت جزءًا من منظومة بحرية إمبراطورية. الميناء لم يكن فقط لاستقبال السفن، بل لتصدير الثروة: الأسماك المملحة، الأصباغ، والزيوت، وكل ما كان البحر والسهول المحيطة قادرين على منحه. الرومان فهموا أن البحر هنا ليس عنيفًا عبثًا، بل منتج إذا أُحسن التعامل معه، فاستثمروا في الملاحة، وفي تنظيم المرافئ، وفي ربط البحر باليابسة عبر اللوكوس، حيث كانت السفن النهرية تُكمل ما تعجز عنه السفن البحرية.
ثم جاء القرطاجيون، تجار البحر بامتياز، فزادوا من حركية الملاحة وربطوا ليكسوس بشبكة تبادل تجاري كثيف، جعلت المدينة نقطة توازن بين البحر والبر، بين إفريقيا وأوروبا، وبين الشمال والجنوب. في تلك المرحلة، لم يكن البحر مجرد ناقل للبضائع، بل حارسًا للمكان، يختار من يقترب ومن يبتعد.
ومع الفتح الإسلامي، لم تنقطع علاقة العرائش بالبحر، بل تغيّرت لغتها.
أصبحت الملاحة جزءًا من منظومة دفاعية وتجارية في آن واحد. السفن لم تعد تحمل السلع فقط، بل الرسائل، والجنود، والمعرفة. وفي فترات لاحقة، خاصة في عهد مولاي إسماعيل، تحوّل البحر إلى عنصر استراتيجي حاسم. كان الوعي بخطورة الأطلسي حاضرًا، كما كان الإيمان بضرورته. فالموانئ تُحصَّن، والسواحل تُراقَب، لأن من يملك البحر، يملك مفاتيح المدينة.
كل هذه الحضارات مرّت من هنا، لكن البحر بقي.
بقي يغيّر شكله، لكن لم يغيّر دوره.
هو الذي اختار العرائش، وهو الذي جعلها مطمعًا، وهو الذي سيظل يفرض منطقه على من يسكنها.
في هذه الحلقة الأولى، لم نكن نستعرض التاريخ بقدر ما كنا نصغي إليه.
لأن العرائش لم تُبنَ فوق اليابسة فقط، بل فوق حركة ملاحة لم تتوقف منذ آلاف السنين.
وفي الحلقات المقبلة من السلسلة الأولى من “صوت البحر”، سنواصل الحكاية، ونغوص أكثر في زمنٍ آخر، حيث ستدخل العرائش مرحلة جديدة مع الأطماع الأوروبية، والتحولات الكبرى في الملاحة، والبحر الذي لم يعد هادئًا كما كان.
نضرب لكم موعدًا مع الحلقة الثانية الأسبوع المقبل…
والبحر ما زال يحتفظ ببقية القصة.
✍️ دوكيسا بريس
