لم تكن أمطار الأيام الأخيرة سوى مرآة صادقة كشفت ما حاولت المدينة إخفاءه طويلًا تحت الإسفلت الهشّ والوعود المؤجلة.
أمطارٌ نزلت بخيرها، لكنها فضحت هشاشة البنية، وعرّت واقع الإهمال الذي تعيشه العرائش، مدينة التاريخ والبحر، مدينة الحضارات التي عبرت ولم تترك هذا الخراب.
العرائش، التي كانت يومًا معشوقة الفينيقيين، وواجهة تجارية للرومان، ومحطة استراتيجية للقرطاجيين، لم تكن يومًا مدينةً عابرة في ذاكرة المتوسط.
هنا، حيث شُيّدت ليكسوس كأحد أقدم الموانئ المنظمة في العالم، كانت الهندسة، والتخطيط، وتدبير الماء جزءًا من عقل الدولة، لا صدفة مناخية.
لكن اليوم…
تكفي ساعات من المطر لتغرق الأزقة، وتُشل الحركة، وتتحول الشوارع إلى مصائد مائية، وكأن المدينة بُنيت دون ذاكرة، ودون حساب، ودون احترام لتاريخها الطبيعي والجغرافي.
الأمطار لم تُخرّب، بل كشفت.
كشفت شبكات صرف مهترئة، وطرقات تُصلَّح بالترقيع، ومشاريع تُدشَّن بالصور لا بالمعايير.
كشفت أن العرائش تُدار بمنطق ردّ الفعل، لا بمنطق التخطيط الاستباقي.
حتى في زمن الموريسكيين، الذين أعادوا الروح للزراعة والريّ، كان للماء نظامه وهيبته.
وفي فترة الوجود الإسباني، رغم كل ما يقال عنها، عُرفت المدينة بعناية خاصة بالبنية التحتية المرتبطة بالميناء والصرف والممرات الحيوية.
فكيف يعقل أن تتراجع العرائش اليوم، وهي في زمن الميزانيات، والمخططات، والتقارير، والوعود الانتخابية؟
ما يحدث ليس غضب سماء…
بل تقصير أرض.
والسؤال الذي تطرحه أمطار الخير بوضوح مؤلم:
هل نملك مسؤولين يُدركون أن المدينة لا تُدار بالبلاغات، بل بالاستباق؟
وهل ما زالت العرائش حاضرة في دفاتر القرار، أم تُركت لتغرق كلما قرر الغيم أن يمرّ؟
المدينة لا تطلب المستحيل…
تطلب فقط أن تُحترم، كما احترمها من مرّوا بها قبل قرون.
