بينما تنشغل الصالونات السياسية في الرباط بتحليل أرقام المجلس الحكومي الأخير، وتزفُّ الأنباء عن رصد 210 مليار درهم لجيل جديد من برامج التنمية الترابية، تقف مدينة العرائش صامتة على شرفتها الأطلسية، تتأمل قطار التنمية وهو يمرُّ مسرعاً صوب طنجة والقنيطرة، مخلفاً وراءه غبار الوعود وتبعات “الولاء المزمن” لانتظارية قاتلة.
مدينة يسكنها الماضي ويجفوها الحاضر
لا يحتاج المرء لجهد جهيد ليدرك أن العرائش تعيش مفارقة “الزمن المتوقف”. فمنذ رحيل الإسبان، والمدينة تكافح لئلا تتحول إلى مجرد “أطلال” تحكي أمجاداً غابرة. لقد تحول شعار “ماضينا أفضل من حاضرنا” من مجرد عبارة عابرة إلى حقيقة مرة يعاينها الساكن في تآكل جدران و اختناق أزقة المدينة العتيقة، وفي غياب أوراش كبرى تليق بموقعها الجغرافي الذي يربط شمال المغرب بوسطه.
النخبة السياسية: حضور “موسمي” وغياب “استراتيجي”
إن المأساة الحقيقية للعرائش لا تكمن في شح الموارد، بل في عقم الترافع. لقد ابتُليت المدينة بنخبة سياسية تتقن فن “الظهور الموسمي” مع اقتراب صناديق الاقتراع، وتبرع في استجداء الأصوات بوعود وردية، لتدخل بعدها في سبات عميق بمجرد الجلوس على كراسي المسؤولية. إن غياب هذه النخبة عن مراكز القرار الحقيقية، وعدم قدرتها على انتزاع حصة الإقليم من الميزانيات الضخمة، جعل من العرائش “خزاناً انتخابياً” يتم استغلاله، لا شريكاً تنموياً يتم إنصافه.
قرع نواقيس الخطر
إننا اليوم، وأمام هذه الأرقام المليارية المرصودة لعام 2026، ندقُّ نواقيس الخطر كما تُقرع أجراس الكنائس العتيقة في ليلة عاصفة. إن الاستمرار في إعادة إنتاج نفس السيناريوهات، والمراهنة على وجوه أثبتت الأيام عجزها عن حمل “همّ المدينة”، هو خيانة لتاريخ العرائش ومستقبل أبنائها الذين باتوا يرقبون تنمية مدينتهم من وراء البحار بقلوب يعتصرها الألم.
المطلب الشعبي: تدخل مركزي لرد الاعتبار
لم يعد لساكنة العرائش ثقة في “المسكنات المحلية”. إن الحل الوحيد لكسر طوق التهميش يكمن في إرادة مركزية عليا؛ تدخل مباشر يضع العرائش ضمن مخططات “المشاريع الملكية الكبرى” التي غيرت وجه مدن الجوار. نحن لا نطالب بـ “صدقة تنموية”، بل بـ عدالة مجالية تعيد للجوهرة الزرقاء بريقها، وتجعل من الـ 210 مليار درهم واقعاً يلمسه الشاب العرائشي في “فرصة عمل” والشيخ في “مشفى كريم” والزائر في “بنية تحتية مشرفة”.
إن العرائش لا تموت، لكنها تتألم بصمت.. فهل من مجيب قبل أن يطوي التاريخ صفحة حاضرها كما طوى أمجاد ماضيها؟
✍️ بقلم: مدير التحرير المطل من شرفة الغربة، رضى ألمانيا

