عندما وصل الرومان إلى ليكسوس، لم ينظروا إلى البحر كما نظر إليه من سبقهم.
لم يكن بالنسبة لهم مجالًا للغموض أو المغامرة فقط، بل فضاءً يجب تنظيمه، ضبطه، وإدماجه داخل آلة إمبراطورية دقيقة تمتد من روما إلى أقصى أطراف الأطلسي.
ليكسوس، الواقعة على الضفة الشمالية لمصب واد اللوكوس، تحوّلت في العهد الروماني من مستوطنة ذات طابع تجاري محلي إلى نقطة بحرية استراتيجية ضمن شبكة موانئ الإمبراطورية. لم يكن اختيار الموقع اعتباطيًا؛ فالمكان يجمع بين نهر صالح للملاحة، وساحل أطلسي مفتوح، وأراضٍ فلاحية غنية، وبحر زاخر بالثروة السمكية.
الرومان فهموا البحر بعقلية الدولة.
أنشؤوا مرافق ملاحية منظمة، وحددوا مسارات الإبحار، وربطوا ليكسوس بموانئ جنوب إيبيريا وشمال المتوسط. السفن لم تكن تخرج عشوائيًا، بل وفق دورات مدروسة، محمّلة بمنتجات البحر واليابسة معًا: السمك المملح، الصلصات البحرية، الزيت، الحبوب، والجلود.
أهم ما ميّز ليكسوس في هذا العصر هو تحوّلها إلى مركز صناعي بحري.
المعامل الرومانية لمعالجة الأسماك لم تكن نشاطًا ثانويًا، بل صناعة قائمة بذاتها، تعتمد على تقنيات دقيقة في التمليح والتخزين، وتُوجَّه منتجاتها إلى أسواق الإمبراطورية. البحر هنا لم يكن مصدر رزق يومي فقط، بل جزءًا من الاقتصاد الروماني العابر للقارات.
ومع هذا التنظيم، تغيّر وجه الساحل.
القاع البحري استُغل، المرافئ ثُبّتت، والملاحة أصبحت أكثر أمانًا بفضل المعرفة الرومانية بالرياح والتيارات. حتى العلاقة مع البحر لم تعد قائمة على الترقب، بل على التخطيط والسيطرة النسبية. كان الرومان يؤمنون أن البحر، مثل البر، يمكن إخضاعه للقانون والنظام.
لكن هذا “البحر المنظّم” لم يكن بلا ثمن.
الاستغلال المكثف للثروات البحرية، وربط المدينة بمنظومة إمبراطورية ضخمة، جعل ليكسوس تزدهر اقتصاديًا، لكنها في الوقت نفسه فقدت جزءًا من استقلالها البحري القديم. البحر لم يعد ملكًا لأهله فقط، بل صار جزءًا من آلة كبرى تتحكم فيها روما.
في تلك المرحلة، بدأت ملامح العرائش الأولى تتشكل، لا كمدينة ساحلية بسيطة، بل كموقع استراتيجي عرف كيف يربط بين النهر، البحر، والإمبراطورية.
وهنا بالضبط نفهم أن تاريخ البحر في العرائش ليس وليد الصيد التقليدي فقط، بل هو تاريخ تنظيم، سلطة، واقتصاد بحري دولي سبق عصره.
بهذه الحلقة، تفتح سلسلة صوت البحر صفحة منسية من ذاكرة المدينة، حيث لم يكن البحر مجرد موج، بل طريقًا إمبراطوريًا يعجّ بالسفن، والقوانين، والصراعات الصامتة.
في الحلقة المقبلة، سنغوص في مرحلة جديدة:
كيف تغيّر البحر بعد أفول الرومان؟
وكيف أعاد القادمون الجدد تعريف الملاحة والسلطة على هذا الساحل؟
موعدنا الأسبوع القادم مع صوت جديد… من أصوات البحر
✍️دوكيسا بريس
